"الجسد الشعري" منهاجٌ خاص للمسرح الحديث

14 كانون الثاني 2019 | 16:53

جاك لوكوك.

في كتابه "الجسد الشعري" يحاول المؤلف جاك لوكوك أن يضع تصميماً هرمياً لمناهج التدريب المسرحي قوامه الميلودراما الشعرية الجسدية، التي تعنى بحركات الجسد. وقد أعادت دار "أكت سود" الفرنسية طباعة هذا الكتاب هذه السنة، لما يحتويه من تقنيات التأويل والارتجال والعزف على بناء القصة، متّبعاً مبدأ "سيكولوجيا الحياة الصامتة"، بحيث يرصد حركات الممثل من حركة جفنه وحتى يتدرّج في الإيماءات والتعبيرات الأكثر صعوبة.

الكتاب يتكوّن من ثلاثة أقسام. في القسم الأول يركّز لوكوك على حياته الماضية التي كان يعنى فيها بلياقته البدنية، ما أوحى إليه بفكرة الاهتمام بأساليب الأداء المسرحي المرتكز على الجسد، فأسّس مسرح الإبداع المسرحي متحدّياً تقلبات المناخ وصفْع البرد والجليد، وتلك الظروف المناخية قادته للتشبّث بروح الإرتجال الذي جعلها من القوائم الأساسية للمسرح الناجح.

في القسم الثاني يعالج لوكوك مبدأ "الحركة للأشياء التي تحيق بنا". وقد استوحى تلك النظرية من خلال تأمّله لتدفق الماء وحركته على سطح البحر، وهو بالمعنى الأصح غوص الحركة في قوانين حركة الطبيعة، ويستوحي أيضاً نظريته من لازوردية الألوان المتنوعة التي تسود هذه الطبيعة من حولنا، وتخلق نوعاً من الفوضى الإنسيابية في الروح التي تبثّ المرونة في دواخلنا. وهكذا نلحظ بأنّ للطبيعة وتصاميمها الهندسية التلقائية من ألوان وأوتار ميثيولوجية، الأثر الأكبر في تكوين فلسفة لوكوك المسرحية، فهو ينطلق منها ليعود إليها.

في القسم الثالث يركّز لوكوك على الناحية الميلودرامية أو التراجيدية للنص المسرحي وكيفية تعامل الممثل معها، وتفاعل جسده في أداء جوانبها. ثم يأتي دور القناع الذي تتعمّم به حركات الممثل لإجادة الدور بكل تفاصيله وتعقيداته وتفضيله على عنصر الكلام الذي يأتي لاحقاً، لقدرته الفائقة على ضبط إيقاع الميلودراما والكوميديا والإنحناءات الشائكة في تصاعد حبكة النص. ثم يأتي على أهمية النصوص الدرامية ودورها في بث الحياة والتجديد في أنواع الفنون المسرحية. وهو بهذا لا يسعى لإعداد وتدريب الممثلين فقط، ولكنه يعطيهم الأدوات الأساسية للعب على وتر الإبداع والتجلي المسرحي.

أراد لوكوك أن يتوغل في مساحات الميلودراما الجسدية وتهيؤاتها السيكولوجية، وجذورها الحقيقية، وعلاقتها العلنية بالمسرح، ليدرك المتفرّج تلقائيّاً بأنّنا نعالج فنّاً نادراً يعدّ بمثابة الجسر الحقيقي للفنون الأخرى.

ولا ننسى أن الفنون الميلودرامية المسرحية القديمة قد تعاقبت على شكل رقصات الأقنعة، تلك التي نجدها في المتاحف الأثنوغرافية، والتي كانت ترتدى كعلامة ظاهرة للتعبير عن الطقوس الدينية، ناهيك عن الاحتفالات القبائلية الخاصة التي تمثل قتل زعيمها للأسد، أو قصته الدامية مع الوحوش. وكان هذا يعدّ اقتباساً حقيقيّاً للدراما التمثيلية. وهنا يتجلّى تأثر لوكوك بالجذور القديمة للميلودراما.

وقد عبّر الكاتب المسرحي الفرنسي الشهير "جيلبرت دي بيكسير يكور" الذي لقب بملك الدراما البرجوازية في المسرح عن فنه قائلاً: "أنا أكتب لمن لا يقرأون". وكذلك نرى لوكوك في كتابه "الجسد الشعري" يعزّز دور الميلودراما بعنصريها الأساسين "العودة والرحيل" في تجسيد الجسد وتمثيل الحركات التي تساعده لتصويب السهم النافذ لأعماق المتفرّج، وتطوير الكوميديا ليحدث في الجسد مقاربة في حركاته التمثيلية بين الضحك والبكاء.

إنّ ميكانيكية المسرح لدى لوكوك لا توحي بأنه رجل تنظير ولا شكّ بأنها مرتبطة بخصائص الدراما والكوميديا المحكية في النص، يستطيع أن يجعل من جسد الممثل حياة كاملة للانفعالات النفسية والاضطرابات الظرفية، وهنا يختلف مع ستانسلافسكي الذي يصمّم تقنيات الحركة المسبقة دون أن تحتاج لمرونة الجسد بكلّ هذا الكم الهائل من الاهتمام الذي فرضه لوكوك.

أبو أحمد: لن نستسلم والصحف ستعود الى مجدها

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard