هل تشكّل كرامب - كارنباور امتداداً لنهج ميركل؟

6 كانون الثاني 2019 | 15:08

ميركل (أ ف ب).

قد يكون صعباً على أيّ سياسيّ أن يخلف المستشارة الألمانيّة أنجيلا #ميركل في رئاسة حزب "الاتحاد المسيحي الديموقراطي" الذي قادته طوال 18 عاماً وحققت من خلاله ومن خلال مسيرتها كمستشارة الكثير لبلادها.

يدرك متابعو مسيرة أنغريت كرامب-كارنباور، خليفة ميركل والمرأة الثانية التي ترأس الحزب، كيف تدرجت في المناصب السياسية حتى تبوأت منصب الأمين العام لـ "الاتّحاد المسيحي الديموقراطي". كرامب-كارنباور الحائزة على ماجيستير في العلوم السياسية تتحدر من غرب ألمانيا وتنتمي للكنيسة الكاثوليكية وهي أم لـثلاثة أولاد. شغلت كرامب-كارنباور سابقاً رئاسة وزراء ولاية "سارلاند" وتقلدت وزارات أخرى. انضمت إلى الحزب وعمرها لا يتجاوز التاسعة عشرة، وفازت بنسبة قياسية 98.9% حين ترشّحت لمنصب أمينته العامة.

في أواخر تشرين الأول، أعلنت ميركل عدم ترشحها مجدّداً لرئاسة الحزب وكذلك عدم ترشحها لمنصب المستشارية بعد انتهاء ولايتها سنة 2021. وكانت كرامب-كارنباور من بين أبرز المرشّحين الأربعة عشر لرئاسة الحزب، هي المقربة من ميركل والمفضلة لديها والتي يُرجّح أن تواصل النهج الوسطي المحافظ الذي اعتمدته المستشارة. أما أهم منافسي كارنباور فكانا رجل الأعمال والمحامي والرئيس الأسبق للكتلة البرلمانية للحزب والمناوئ لميركل فريدريش ميرتس ووزير الصحة والمنتقد لسياسة المستشارة بشأن الهجرة ينس شبان.

وفي السابع من كانون الأول 2018، وبعد منافسة شرسة مع ميرتس الذي طمح إلى تغيير سياسة الحزب نحو اليمين المحافظ، استطاعت كارنباور حسم السباق لمصلحتها من الجولة الثانية بـ517 صوتاً مقابل 482 حاصدة نسبة 51.8% من الأصوات. وهي تؤيد المشروع الأوروبي والعولمة والدولة القوية والرقمنة وحماية العمال وتناهض الأحزاب اليمينية المتطرفة. ومنذ 40 عاماً يُختار رئيس الحزب من خارج "البوندستاغ".

اليوم، يغدو السؤال الأهم: هل تصبح كارنباور التي تتربع على رئاسة "الاتّحاد المسيحي الديموقراطي" المستشارة القادمة لألمانيا؟

يشار إلى أن كارنباور (56 عاماً) بأنّها وريثة ميركل أو "ميركل الثانية" وبأنها "لا تستطيع الخروج من عباءتها". تختلف عن ميركل بأنها أكثر تشدداً في زواج المثليين وذات نبرة حادة تجاه بوتين. كارنباور محافظة على المستوى الاجتماعي (كمناهضة الإجهاض وزواج المثليّين) وعلى يسار الحزب في المسائل الاقتصادية (كالدفاع عن الحدّ الأدنى للأجور وزيادة بعض أنواع الضرائب). تدرك كارنباور أنها سوف ترأس حزباً حكم ألمانيا لـ 5 عقود ويبلغ عدد أعضائه 400 ألف. خلال 18 عاماً من الرئاسة، جسّدت ميركل صوت العقل وجعلت من ألمانيا مستقرة وقوية سياسياً واجتماعياً واقتصادياً فانخفضت البطالة ونمت الصادرات. وعالجت أزمة ديون اليونان وساعدتها في البقاء في منظومة الأورو.

تعلم كارنباور جيداً الصعوبات التي واجهت ميركل خصوصاً في الانتخابات الأخيرة وعملية تشكيل الحكومة. كذلك، هي تدرك الأسباب التي خلقت المشاكل للمستشارة مثل دعمها سياسة التقشف لدول جنوب أوروبا وفتح باب الهجرة للعالقين على الحدود المجرية-النمسوية في خريف 2015 والذين بلغ عددهم مليون شخص. كانت هذه من بين أهم أسباب دخول حزب "البديل من أجل المانيا" (AfD) إلى البرلمان وهو أوّل وصول لحزب يمينيّ متطرّف إلى "البوندستاغ" منذ سنة 1945. تضاف إلى ذلك الخسائر الأخيرة للحزب وحلفائه في ولايتي هيسن وبافاريا.

إن فوزها الصعب وتراجع شعبية الحزب في بعض الولايات سببه الانقسام بين المحافظين والليبيرالين وتيار رجال الأعمال المنتمين إليه. ركزت كارنباور في خطابها الانتخابي على ضرورة بقاء الحزب موحداً للحفاظ على الجوانب الاجتماعية والقيم الأساسية التي نشأ عليها. في الوقت نفسه، تريد الوصول إلى استراتيجية واضحة في مجال التعليم والإسكان مع ضرورة تعزيز التواصل بين القاعدة الشعبية والقيادة. إذا استطاعت كارنباور توحيد الصف واستعادة شعبية الحزب والوصول لحلول أكثر وسطية مع انتهاج مرونة سياسية فإن الطريق سوف يكون ممهداً أمامها على الأغلب للفوز بمنصب المستشارية.

إنّ استقرار الحزب قد لا يكون من مصلحة ألمانيا فقط بل #أوروبا أيضاً. في هذا المجال، يبدو أنّ كارنباور تتميز بقدرتها على توحيد صفوف الحزب وبقدرتها على نسج تحالفات مع أحزاب أخرى. بعد وصولها إلى رئاسة الحزب، اختارت بول زيماك (33 عاماً) كأمين عام لـ "الاتحاد المسيحي الديموقراطيّ" علماً أنّه دعم منافسها ميرتس.

تؤيّد كارنباور ميركل في أغلب سياستها وستحافظ بشكل مرجح على إرثها البراغماتي فيما قد تنأى بنفسها عن بعض سياستها. إنّ أحد أوجه إيمان ميركل بالقيم الإنسانية تجسّد باستقبال مئات الآلاف من اللاجئين وقد كان ذلك أحد عوامل ازدياد نقمة الحلفاء والخصوم ضدّها. في هذا السياق، من المتوقع أن تتّخذ كارنباور إجراءات أكثر صرامة بخصوص اللاجئين في نواح معيّنة كفرض تعلم اللغة الألمانية وترحيل من يثبت عليهم ارتكاب جرائم وفرض إجراء اختبارات طبية للقاصرين.

في هذا الوقت، يواجه الاقتصاد الألماني تحدياً كبيراً بالانتقال من الصناعات التقليدية إلى "الرقمنة"، من هنا، يحتاج إلى الانفتاح وجذب العقول الأجنبية. وكانت ميركل قد تمكّنت من جعل الاقتصاد الألماني الأول أوروبياً لسنوات عدّة.

رغم أنّ ميركل مهّدت الطريق لكارنباور عبر بعض الاتفاقات الداخلية التي عقدتها مع شريكها في الائتلاف الحاكم الحزب الاشتراكي الديموقراطي، أو بعض الاتفاقات الخارجية مع الاتحاد الأوروبي مثل "اتفاق دبلن" المتعلق بحصص توزيع اللاجئين، ستبقى تحديات كثيرة عالقة، من بينها انتخابات البرلمان الأوروبي في أيار المقبل والانتخابات في بعض الولايات الشرقية الألمانية (ساكسونيا، وتورينغن، براندنبورغ) حيث لحزب "البديل من أجل ألمانيا" حضور قوي.

سيكون مفضّلاً الانتظار لبعض الوقت ريثما تتّضح الفوارق الجوهرية بين الزعيمتين، لكنّ البعض يرى أنّ استمرار كارنباور على نهج ميركل سيشكّل عاملاً للأحزاب المتطرفة كي تكسب المزيد من الأصوات في الانتخابات العامّة والمحلّيّة المقبلة.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard