نواف كبارة... "هذا الكرسي لم يمنعني من أن أعيش"

4 كانون الثاني 2019 | 18:16

المصدر: "النهار"

  • رولا حميد
  • المصدر: "النهار"

كبارة بين عدد من الشباب. (مصدر الصورة: فايسبوك).

ساهم الدكتور نواف كبارة في تحويل مفهوم الإعاقة من صفة سلبية إلى صفة طبيعية، وذلك على مستويين، تعامله مع إعاقته الشخصية، ونضالاته على مستويات مختلفة لدحض المفاهيم السلبية العالقة تقليدياً بمفهوم الإعاقة. ومن هنا لا يجد حرجاً في النطق بعبارة الإعاقة، ولا يحاول ككثيرين استخدام عبارات رديفة تلتف على لفظها، ولا تلغي مفهومها.

العبء منذ الشباب

كان كبارة من السبّاقين إلى تحمّل عبء الإعاقة منذ شبابه، وربما ساعده وعيه العلمي، وثقافته على مواجهة تداعياتها. فقد أصيب وهو في سن ناضجة، وفي مرحلة علمية متقدمة، وفي إحدى أهم الجامعات. ويبدو أن ما أتيح له من اطّلاع على وسائل التعامل معها في الدول التي اعتنت بالمعوّق، أو بذي الحاجة الخاصة، كما يؤثر كثيرون القول، ولم يشأ أن يقف مكتوف اليدين بعد أن عرف بالطرق العلمية الحديثة التي تولي صاحب الإعاقة اهتماماً كبيراً، فمكنته من تجاوز محنته.

“ذو الإعاقة" هي العبارة التي ترد في أدبيات كبارة، وخطابه مع الآخرين. فـ"ذو الإعاقة" لا يعني أنه معوّق كلياً، وبذلك تصبح كلمة معوّق صفة يطغى فيها الجزء على الكل، وهذا غير منصف، في الوقت الذي يحمل شخص "إعاقة ما"، فهذا لا يعني أنه صحيح الصحة والجسم بالكامل في حال تجنب استخدام عبارة الإعاقة معه.

بدأ كبارة مواجهته مع الإعاقة على المستوى الشخصي، ثم التزم في مقاومته لحالته بجعلها مقاومة شاملة تطال الآخرين إن من ذوي إعاقة، أو المجتمع ككل.

تطور النظرة

يشرح كبارة لـ"النهار" تطور النظرة للإعاقة، ويقول في بداية لقاء معه لمناسبة اليوم العالمي للمعوّق، إن "النظرة إلى الإعاقة مرت بعدة مراحل، فقديماً كان يُنظر لها كعمل من أعمال الشيطان، أو هي حالة مطلوب فيها التدخل الإلهي لإثبات الحالة الإلهية، ومن هنا شفى السيد المسيح الأعمى، وكانت تلك أول معجزة عنده”.

المرحلة الثانية، بنظر كبارة، رافقت تطوّر العلم. ويفيد أنه "جرى تدخّل الطب، ووضع الطب يده على الملف،  فجرى تشخيص الموضوع، وأعطى الحلول للإعاقة، ونشأت المؤسسات لرعاية هؤلاء الأشخاص". أما المرحلة التالية، فيرى أنها "بدأت بعد انطلاق حركة الحريات المدنية في الولايات المتحدة الأميركية، وبعد حرب الفيتنام، وانطلقت من اعتبار أن المعوّقين لا يريدون قضاء حياتهم داخل المؤسسة، بل أن "نعيش حياتنا على طبيعتها، والمطلوب من المجتمع أن يغير تركيبته لمواكبتنا لنستطيع أن نعيش في حرية، وقد تغيّر تعريف الإعاقة من حالة طبية إلى قضية متغيرة، حيث إنه كلما فتح المجتمع أبوابه، وتقبّلَنا، خفّت الإعاقة".

المرحلة الأخيرة قال عنها إنها "تتعلق بالاتفاقية الدولية لحقوق الإنسان، ومطالب المعوّقين جزء من حقوق الإنسان".

التجربة الشخصية

ينتقل كبارة ليروي تجربته الشخصية مع الإعاقة، ويقول: "أصبتُ بحادث سيارة في السعودية سنة 1980، وكان عمري 25 سنة، والإصابة طالت المنطقة العليا من الرقبة، أدت إلى شلل نصفي كامل، وكنت في أول تخرجي من الجامعة الأميركية، ونقلت إلى انكلترا لإعادة التأهيل، فتعرفت إلى طريقة التعاطي الغربي مع قضية الإعاقة. وفي الفترة الأولى طرحت كيفية معالجتي، وكان هناك قلق شديد على طريقة العلاج، في المنزل، أو المؤسسة، وهل أبقى في البيت؟ واطّلعت في انكلترا على طريقة دمج المعوّق في مجتمعه، وكيف كانت "المولات"، والجامعات، والمدارس، والشوارع مهيأة لمساعدة المعوّق، فتغيّرت تظرتي، وصار عندي هوس كيف أنقل التجربة الغربية إلى لبنان. وبتُّ أركِّز كثيراً لأفهم كيفية تطور طرق تعامل الدول الغربية مع المعوّق، واجتمعت بمؤسسات الإعاقة، واطّلعت على ما تقدمه الدولة، والبلديات، وكيف يتم الاهتمام بالمعوّق، وركبت بعقلي فكرة الدمج الاجتماعي، وصار همي يتركز على أمرين: إصدار قانون جديد بهذا التوجه في لبنان، وأن نؤسس جمعية تعمل على الدمج كبند رئيسي".

بالنسبة إلى القانون، ذكر كبارة أنه "اشتغلنا عليه بكثافة، وابتدأت بمتابعته في الثمانينيات بالتعاون مع رئيس الحكومة الأسبق سليم الحص الذي كان وزيرا للتربية، ثم الرئيس رشيد كرامي، والرئيس رفيق الحريري في فترات لاحقة، إلى أن أقر القانون 2000/220 في حكومة الرئيس الحص".

وبخصوص الدمج، يفيد: "أنشأنا "المنتدى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة"، الذي كانت كل برامجه معدة لمساعدة الشخص ذي الإعاقة، لكي يعيش في البيئة في أكبر قدر من الاستقلال، فكل البرامج موضوعة بطريقة تضمن كل الحقوق للشخص لكي يعيش في أكبر قدر من الحرية".

إنجازات

ثم تناولَ بعض إنجازات المنتدى. يتحدثُ عن الخطوات الأولى، و"أهم شيء أننا بدأنا العمل على تغيير المفاهيم من داخل المنزل الى خارجه. وذلك عبر تغيير بعض الترتيبات لتسهيل حياة المعوّق، فوضعنا برنامج التأهيل المنزلي، مثل تسوية الحمّام، وغرفة النوم، وتأمين وترتيب الأدوات التي يحتاج إليها ذو الإعاقة، وفي الخارج، تحضير المصعد، ثم برامج الدمج المدرسي. وبعدها عملنا على التدريب المهني للذين لم تكن لديهم فرصة الالتحاق بالتعليم. وحاولنا قدر المستطاع تأمين العمل وتغيير الشوارع والأرصفة واستحداث مواقف خاصة ثم برنامج الدعم الطبي لتأمين حاجات صاحب الإعاقة كالكراسي وسواها. وأقمنا النشاطات بما فيها الرياضة والمسرح والموسيقى والفنون. وكثيرون من ذوي الإعاقة تزوجوا، ويتابعون حياتهم وأعمالهم، ويعيشون بصورة طبيعية في المجتمع".

عن وصف حالته الراهنة، يقول: "أعيشُ حياتي بكاملها، وهذا الكرسي لم يمنعني من القيام بأي شيء أريده، لا بل إنه أوصلني إلى خمسين دولة في العالم، زرت بعضها عشرات المرات، وأظهر لي قدرتي كيف أفهم الأشياء. أنا سعيد كأي شخص سعيد آخر في لبنان، والمنطقة العربية، وأسسنا "المنظمة العربية للأشخاص ذوي الإعاقة" أيضاً، واستطعنا تغيير حياة كثير من الناس، وغيّرنا العقلية، وأضأنا على الإعاقة لتصبح من أول اهتمامات الدولة".

ورداً على سؤال إن كان يرغب في العودة إلى الحركة العادية مثل الباقين، قال: "حسب تجربتي الطويلة، وأنا في هذه الحالة، لا أحب أن أغيّر وضعي، وأنا أعرف أية تطورات تكنولوجية تحدث، فأنا أتعايش مع جسمي بحالته الراهنة، وهذا الكرسي لم يمنعني من أن أعيش، ولا أعرف إذا أجريت عملية تصحيح كيف ستكون النتيجة. ربما سيكون هناك نواقص جسدية ستسبب لي الإرباك. لا أريد ذلك، فأنا مرتاح مع جسمي، ولا أريد أي تغيير، وأترك ذلك للجيل الجديد".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard