"مستند بلا عنوان" لريم سليمان الخش: قضايا الشعوب المضطهدة في ميزان الشعر

3 كانون الثاني 2019 | 18:56

المصدر: "النهار"

الشاعرة.

على امتداد تجربتها المغدقة برؤى جديدة ولغة قريبة جدًّا من وجع الهوية والانتماء، نجد الشاعرة السورية ريم سليمان الخش لا تكفّ عن استئناف النضال الحياتي والإبداعي، مسكونة بروح الإخلاص للكتابة العروضية، ممتطية صهوة التجريب، في غمرة المشاكسة بخطابات النيوكلاسيكية الجديدة، مكهربة بجملة من أسرار الوطن والذات والكونية، الممرّرة بصوت مخملي وضمني في مجمله، يزاوج التنويع الإيقاعي والبصري والمعجمي، ما بين رسائل القلب المتعثر بضريبة الحب، في زمن تكسوه الإسمنتية والتحجر، ولا يعتقد بسوى المتاجرات والسمسرة في الأجساد والأسماء والمعاني، مكرّساً للاغتراب الروحي والعزلة العاطفية أكثر فأكثر، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، رسائل الوعي بخيوط اللعبة السياسية القذرة التي تحكم العالم، وتنج دماه لتوجهها بالتالي صوب كلّ ذابح لإنسانية الكائن، ومغتالٍ لمشاتل الجمال والنبل والنضارة، فيه، كطرف، راح راهنه يتجاوزه بطقوس ناثرة لفصول الرعب، رمزياً وفعلياً، تنظيراً وممارسة، حدًّا تلوح معه القيامة، قيامة الزوائد المتطرفة والشاذة والنشاز، وقد غزت أفقاً فوق الرأس، وعلى بعد ثقافة منفلتة، لا يجدي معها تدارك أو محاولة سيطرة وتطويق.

تواصل هذه العصفورة المكلومة، مقامرة العصف بشروخ وتشظّيات وجودية وهوياتيّة، مخجلة المشهد الرسمي، بأسئلتها وفنية ما يمكن للقصيدة المنحازة لصفّ المقهورين والمضطهدين، أن تفيده وتضيفه، وتبهر بأدائيته، كأقصى ما تكونه وتبوح به فسيفساء تعبيرية تصويرية، تصادر واقع الوباء، على مختلف أزماته ومعضلاته.

بعيد دواوين ستة، تزعم ريم سليمان الخش، تقديم المغاير وما لم يعهد عنها، سابقاً في مشوارها الإبداعي، إذ ينثال بنبض خليليته المطبّعة مع منظومة ما بوسع قاموس اليومي، الجود به، ويلوّن وعكة العالم به، مؤكداً ألاّ صحة وعافية، سوى مع القصيدة المتمرّدة، بصوت فدائي، معادٍ لكل الأصوليات وبشقيها التقليداني والحداثوي كذلك، وحسب منسوب النكهة التي قد تتيحها البلورة والصياغة الجديدة للقشيب، في أفق فورة المعاني التي تضع كائناً في مستوى التحدي، وتمدّه بروح التجاوز ويقينياته.

في مخطوطها الذي انتقت له عتبة أحوى وأعمق وأشمل وأبعد كذلك في اختزال معاني اغتصاب الكائن في إنسانيته وانتمائه، وهو قيد الإصدار، رافلاً بفلسفة القصيدة ومنطق اللون الذي يعرّي ويفضح أنانية وغطرسة وعنجهية الطغاة، تقترح الشاعرة عشرات القصائد القصيرة جداً، والمنوّعة ما بين رومانسية الموقف والفكرة، وميثو/صوفية الخطاب الشعري، ووجودية الرؤى والتصورات العاكسة لأبرز منابر التواصلية مع الذات والغيرية والعالم.

في إحدى وستين قصيدة بالتمام، تستأنف ريم نضالها، معضدة من نبرتها بفتح جرح جديد ينضاف، إلى سجلّها الحافل بإرهاصات الترنيمة الطافية بتقنيات طرح وتشريح ظاهرة اسمها العزف بأوتار القلب، على تيمة الكوميديا السوداء، تقحم وبقوة، العوالم الجانبية المزدهرة بطاقات كائن الذيل والهامش، وكيف أن تمرّده المؤجل والمعلن على حدّ سواء، يسوّف ملامح بناء وطن منتصر لأجيال الاضطهاد والدونية والقمع وشتى الأساليب المخزنية الباغية، وطن موازٍ بألوان الشعر والحياة، موشك التجليات والدنوّ.

عصف تتقمّصه سردية دامية، تنفث اللعنة بوجه طغاة العالم وسدنة العربدة والسياسة العرجاء فيه.

تقول ريم في موضع من بثنا معاناتها مضاعفة: [تصيّد مثل ذئب افتراضي / به نهمُ المجاز على انقضاضِ

... ليقتنصَ البلاغة بعد غزوٍ / ويفترس القصائد في المخاض... لكي تبقى القصيدة مثل أنثى / تطارحه الغرام بلا اعتراضِ!](1).

أيسلّمها حبّها الأعمى هذا، لكل هذه المتاهات المنذورة لمعسول الأنهار الأخرى، مثلما يرسمها القصيد، في رصيد ريم الشعري، محرجاً ومخلخلاً واقع الخبث والنتانة وترجيح منطق العقل المتكلّس والمتكدّس بوصايا الدوغمائية وذبح الأنوثة واغتيال الورد بوصفها جنساً معادلاً لمتوالية صور الحياة في نبض وطفولة وانسيابية أخّاذة..؟

وتقول:[ ماذا سنخسرُ لو ننسى تشرذمنا/ نمارس الحب إيماناً بلا فتنِ ... ماذا سيحدث لو عشقاً تطهرّني / بحضرة الماء تمحو الرجس عن وطني... الناس في الحرب قد جفّت مرابعهم / لاشيء إلا سعير اليأسِ والحَزَنِ... أحتاجُ من زمني حباً يُعمّدنا /حتى نسحَّ كأنّ البغض لم يكنِ... أحتاج أن يرسم العشاق عالمنا / بريشة الودّ كوناً خاليَ المحنِ ](2).

في إيقاع خفيض مهادن، تزف هذه الشعرية صوراً لاهثة ومترعة باستعارات تتوسل الرجاء وتغمز بأسلوبية التمنّي، تلك حلمية الرقص على جمر حياة تستعبدنا وتضطهدنا، بينما في المقابل هناك بديل، لا يقترحه سوى المعادل الشعري متخماً برمزيته، مناوراً عالم إنسانيتنا بمعرفة ننوّمها في أدغالنا، مفصحين عن جهلنا فقط: ذلك في اشتعال حاجتنا إلى البوح، هروباً بظلالنا، بأسرارنا، بأحلامنا كما أوجاعنا.

تصوروا معي عالماً يسوده الحبّ كعقيدة، على حدّ المتخيَّل الشعري، ومرادفاته، لدى ريم الحالمة والإنسانة المزهوة بكهذا انتماء والأنثى المطعونة في هويتها، أيضاً، فقط تصوروا معي فردوسية ذلك اليقين، رافلاً بعشقنا الأعمى والأزلي، لشعر يتلعثم بنورانية الكائن، يصنع العدل والنور والحياة والسلام.

وفي مناسبة استعراضية تغطس عبرها الذات في العوالم السفلى، للشعب المقهور المضطهد، تعالج ريم اضطراب إيقاع العالم، بتنهيدة أنثى مختنقة بصوتها الثائر، تقول: [تناهى الشعر عن بوحِ الكرام / بصمتهمُ الدقيقة ألفُ عام ... وما عزّ المقال بهم ولكن/ سمَوا فوق الغمام عن الكلام] (3).

هامش:

(1) عن قصيدة تطارحه الغرام بلا اعتراض.

(2) من نص غيم.

(3) مطلع قصيدة تناهى الشعر عن بوح الكرام.

شاعر وناقد مغربي

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard