أشلاء متناثرة

2 كانون الثاني 2019 | 11:14

تصوير وسام اندراوس.

أنا موج البحر

إستقبلتني الصّخور فحطّمتني

وتلقتني الرياح الهوجاء فبعثرتني

ولقد كان أوان الشتاء ومنتصف الليل

حيث كنت أقف وحيداً على رمال الشاطئ البيضاء

أجمع أشلائي المتناثرة وأوضّبها في الحقائب

باحثاً عن أمل جديد أو سفينة متّجهة نحو المنفى

وكانت ليلة ليلاء

أسدلت فيها أشرعتها المراكب

وكالمستحيل شدّ البحارة الحبال إلى الأوتاد وأرخوا المراسي

ثمّ هرعوا إلى الخمارات ودور العاهرات

وهي تجمح كالخيول التي يحزّها الوهق حول الأعناق

وتصهل وحيدة على ضوء البرق في المرابض

وتتناثر من حولها ضلفات المرافئ والصناديق المودعة عليها

كالدّماء الملفوظة من أفواه شعوب الشّرق

آه أيها الشّرق التعيس ما أضناك!

عيناي تصبوان إلى الغد المشرق

ورياحك تدفعاني نحو الذكريات

ولكنني كنت المسافر الأخير

غادرت السفن الكبيرة تحمل الآلاف وتركتني

ودمعة وحيدة تبرق في عيني

على ضوء نجمة وحيدة لاتزال تسهر حتى الصباح

وأنا أتدافع رجوعاً وسط الرذاذ

محاصر بالكامل، مقيّد بالكامل، مثقل بالأغلال

وأتساءل أين داري؟

أين بلدي أين منفاي؟

أهلي والأصدقاء

أوراقي الثبوتية وهويتي

في أي درج وأي مكتب تقبع الآن

عن أي دائرة حكومية سوف تصدر

وأي موظف منسيّ سوف يسلمني إياها

وما هو الإسم والجنسية وتاريخ الميلاد والعنوان الذي سيهبونني إياه

لا؛ لن أقبل بكل ما يقال

ولا لن أنحني أمام كل عتبة

ولا لن أصفق لأي أحد

ولن أرض لقصائدي أية حروف وكلمات أو أي مكان

قلمي ويداي إمتداد لأولى أبجديات العالم

وأنا حفيد الآلهة العتيدة

أدونيس وبعل وعشتروت

منذ آلاف السنين نحت إسمي وصوري في أعالي الجبال المقدسة

ورفعت أعمدة القصور الخالدة

في بعلبك وصيدون وأوغاريت وعمريت وقرطاجة

كل لحظة مضت تمثّلني

ولي كل المستقبل الآتي

وسأعدو كالفهود السوداء الجائعة في الصحراء

لأصنع أمجاداً جديدة وأشيّد صروحاً عالية من التّراب

وبلا رأفة وإلى الأبد

سأهجر آلامي المتواضعة

حتى يتراكم فوقها غبار النسيان.

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard