التطبيع مع الاحتلال... من السر إلى العلن حتى السلام

26 كانون الأول 2018 | 19:50

المصدر: "النهار"

عهد التميمي. الصورة عن "أ.ف.ب".

"إن طَبَعتْ الأنظمة فالشعوب لن تُطَبِع"، حتى لا تسقط هذه المقولة في فخ الشعارات الرنانة، لا بد من أن تتحرك تلك الشعوب وتُعَبِر عن استيائها من أنظمتها التي تطبع مع الاحتلال الإسرائيلي، إذ أن الجزء الأول من المقولة قد تحقق والتطبيع جارٍ على قدم وساق، فخلال الشهر الجاري فقط، أعلنت حكومة الاحتلال اعتزامها مد سكك حديدية مع عدة دول عربية، وليس آخرًا اقتراب الإعلان عن التطبيع مع السودان.

تلك المعطيات وغيرها بدأت تسهم في تعبيد الطريق أمام الاحتلال في تغييب وتغيير صورته الإجرامية والعنصرية أمام العالم، التي أسس لها، أولا من خلال تشويه الإنسان الفلسطيني وإظهاره بمظهر الإرهابي والمتخلف والرافض للتفاوض، عن طريق تغذية الخلافات والانقسامات الفلسطينية الداخلية، التي نشهد امتداداتها من فلسطين إلى خارجها، وما حصل من شغب مؤخرا في بروكسل خلال احتفال مركزي لإحياء ذكرى رحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، حيث دعت إليه السفارة الفلسطينية في بروكسل، وخلال الاحتفال حدثت مشادات كلامية وتشابك بالأيدي بين الحضور إلى أن تدخلت الشرطة البلجيكية لفض الاشتباكات.

وها هو داني دانون سفير الاحتلال لدى الأمم المتحدة يطل علينا ويعلن من على منبرها اعتزام الولايات المتحدة "تقديم خطتها للسلام في الشرق الأوسط مطلع 2019"، التي "لا نعرف تفاصيل الخطة لكن نعلم أنها اكتملت" على حد تعبيره.

إذًا، لا مزيد من المزايدات، فاللحظات الراهنة التي تمر بها القضية الفلسطينية هي الأخطر، وهي الآن تتعرض لأعنف التهديدات في تاريخها، فالسلام المطروح أو صفقة القرن التي أُبرِمَت مع أول اتفاق تطبيعي مع الاحتلال، واتخذت مسارها إلى العلن، والإفصاح عن بنود هذه الصفقة بدا واضحا في سباق الأنظمة العربية إلى التطبيع وإقامة العلاقات الرسمية مع الاحتلال، وبدأ هذا السلام يتكون بشكل غير مباشر عبر توقيع الاتفاقيات التجارية والتنسيقات الأمنية.

لا جيوش عربية لتحارب فأنظمتها مشغولة في سباق التطبيع، ولا حصار كسر عن غزة، ولا سياسة قضم الأراضي وبناء المستعمرات قد توقفت، أي حتى طرح السلطة للتفاوض أصبح بلا معنى، والدولة التي حاربت السلطة الفلسطينية من أجل الحفاظ عليها أصبحت في مهب الريح، وليس في الأفق حل إلا عبر الوسيط الأمريكي، ونعرف مدى التزام أمريكا وانحيازها لصالح الاحتلال.

لقد أنشأ الاحتلال العديد من الاستراتيجيات من أجل القضاء على مفهوم الصراع العربي-الاسرائيلي في محاولة منه لنزع البعد العربي من هذا الصراع وإفراغه من مضمونه وتحويله إلى لقاء، بعيدا عن ممارسته العسكرية والتهويدية. إحدى هذه الاستراتيجيات كانت التطبيع، واستطاع من خلالها أن يوجد لنفسه مكانا بين الأنظمة العربية، ليتحول الأمر برمته وكأنه مشكلة يعيشها ويعاني منها الفلسطيني وعليه أن يتخلص منها، وفي المقلب الآخر، فإن صمت الشعوب لا يُفهم إلا أنه تخاذل ويوضح كيف أن الاحتلال قد استطاع فعلا أن يُفرغ الصراع معه من محتواه.

تبدو حاجتنا الآن أكثر من أي وقت مضى إلى مقاومة هذا التطبيع شعبيًا، وتحقيق مقولة "فالشعوب لن تُطَبِع"، وعلى كل حال لا يمكن تناول موضوع التطبيع من كل جوانبه، ولكن يمكن القول بأن هناك عدة سبل من أجل محاربة ومقاومة التطبيع، فهناك على سبيل المثال نجاحات مهمة للمقاطعة وحركة BDS خصوصًا المقاطعة الأكاديمية خلال السنوات الماضية، وأخذت تلك المقاطعة تشكل نوع من النضال غير المسلح بعد احتكار المنظمات له.

أما ما نستطيع فعله، يتمثل أولا في محاولة التخفيف من الانقسام الذي نعانيه سواء على الصعيد الشخصي أو على صعيد المنظمات، وثانيا القيام بخطوات ولو بسيطة من شأنها أن تحدث أثرا وتوضح للعالم بأن المشكلة هي الاحتلال بحد ذاته، ولا تعالج المسائل الأخرى قبل إعادة توضيح هذه النقطة وإعادة تموضعنا بالشكل الذي يناسب مستجدات هذه المرحلة، مع تكثيف استخدامنا لوسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة في إيصال أصواتنا بشكل فردي أو جماعي، فالأجدر بنا عوضا عن محاربة بعضنا لبعض، أن نتفق على اختلافنا، وأن نتفق على أن تشتتنا وهجرتنا أساسهما المواربة والالتفاف حول المشكلة الأساسية، وأن لا نكون ضحية الخزان الذي يريدون وضعنا فيه، وأن ندق جدرانه ونفتعل الضجيج حتى يسمعنا كل من حولنا من أجل أن لا نموت ونصبح الضحية التي صمتت ولم تدق جدار الخزان مرة أخرى.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard