اللامركزية نعمة أو نقمة: نحو إلغاء المؤسسات العامة والبلديات

27 كانون الأول 2018 | 12:48

ذهبت العديد من الدول منذ القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا الى اعتماد وبلورة ما سمي باللامركزية الادارية، وهي تنازل السلطة المركزية عن بعض صلاحياتها لهيئات محلية اقليمية او مرفقية خدماتية قادرة على تقديم الخدمات للجمهور بفاعلية اكبر، وهذه الهيئات إما ان تكون منتخبة كالبلديات وإما شبه منتخبة ومعينة كالمؤسسات العامة.

ومع مرور الوقت، أخذت فكرة اللامركزية تترسخ وتتجذر في وجدان الأمة لتتحول الى حق وليس منحة، في وقت دأبت فيه السلطة المركزية على بذل الجهد لتضييق دائرة هذا المفهوم كي يبقى محصوراً بالشق الإداري ولا يتخطاه الى السياسي، وذلك حفاظاً على وحدة الدولة وسيادتها.

وبينما تعود جذور الحضارة والإدارة العامة تاريخياً الى الشرق، الذي عاش عصوراً ذهبية ما لبثت أن اندثرت نتيجة أسباب متداخلة يعتليها تدخل الغرب وانتشار الفساد والترف، نرى أن اللامركزية الادارية هي عصارة "فكر" غربي امتطى المؤسسات الدولية لنشر أفكاره والزام دول الشرق بها بالترغيب تارة والترهيب طوراً، بينما ذهب هو في منحى آخر مضاد بحيث استجمع قواه واعتمد الانظمة الفيدرالية والكونفدرالية بدلاً من تلك التي تصل الى حد التفكك والتي قد تشكل اللامركزية الادارية نواتها بقابليتها الى التحول إلى لامركزية سياسية ومن ثم تقسيم للدول ومقدراتها.

المستغرب في لبنان أن معظم الجهات تتجاهل المبدأ بأن الدولة أو السلطة العامة تتألف من السلطتين المركزية واللامركزية، غير أن الواقع أخذ هذه العلاقة بينهما باتجاه مغاير لطبيعتهما، فأصبحتا كأنهما عدوّان لدودان. فمن منتقد للرقابة التي تمارسها السلطة المركزية على تلك اللامركزية، الى مسؤول في الإدارة المركزية يسيء استعمال سلطته ويجنح بها لتحقيق مآرب شخصية او حزبية وتخطي النصوص التي نظمت العلاقة بين السلطتين.

بالمحصلة نرى أننا امام حرب ضروس بين شكلي السلطة المركزي واللامركزي، وفي الوقت عينه لم تستطع السلطة اللامركزية أن تثبت جدواها حتى يومنا هذا، لا بل إنها اثبتت انها باب للمحسوبيات والبطالة المقنعة والتوظيف العشوائي والمحسوبيات.

ما المانع، في بلد صغير المساحة قليل السكان، كلبنان، بأن تتولى السلطة المركزية كافة المرافق العامة وبأن تذهب الى اعتماد اللاحصرية الادارية الموسعة بدلاً من اللامركزية؟ ففي ذلك حفاظ على وحدة الوطن والقرار، ووقف للإهدار العام. ولتكن هيئات الرقابة حكَماً لضمان حسن الاداء.

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard