السودانيون في مصر... أجسادهم في الغربة وقلوبهم على حراك الوطن

24 كانون الأول 2018 | 13:41

المصدر: "النهار"

حرائق في الخرطوم.

في الوقت الذي تستمر التظاهرات الشعبية الغاضبة في السودان، وتسود رؤية ضبابية المشهد السياسي هناك، يعيش قرابة مليوني سوداني في مصر، دفعتهم ظروف سياسية واقتصادية طاردة بعيداً عن وطنهم، لذا فإن الحراك الشعبي الحالي، الذي يصفه البعض بأنه غير مسبوق في عهد الرئيس السوداني المشير عمر حسن أحمد البشير، خطف قلوبهم، واستبدل مشاعر الغربة المريرة، بمزيج من الفرح والخوف في آن واحد.

يتابع هؤلاء بقلق أخبار الاحتجاجات السودانية المتأججة، لحظة بلحظة، معتمدين على "صحافة المواطن" كمصدر رئيسي للحصول على الأخبار، بعدما غابت معظم وسائل الإعلام المصرية والعربية عن متابعة الحدث. الصفحات والمجموعات على موقع "فايسبوك"، و"تويتر"، وو"واتس آب"، تعج بالصور ومقاطع الفيديو والأخبار الصادقة، والمفبركة أيضاً، ولا يهتم أكثيرون بالتدقيق يصدقيتها، فالأهم بالنسبة إليهم هو أن تصلهم أنباء أهلهم ووطنهم، ويشعرون بالتواصل معهم.

ويقول سودانيين تحدثت إليهم "النهار" في القاهرة إن "الحياة في العاصمة المصرية ليست أفضل كثيرا من الخرطوم، لكنها على أي حال أفضل من حيث الخدمات الصحية والترفية ووسائل النقل والمواصلات، والأسعار أقل بكثير، كما أن المدن المصرية بشكل عام تعد أفضل إلى حد كبير بالنسبة للمغتربين الذين كانوا يعيشون خارج العاصمة السودانية، مثل سكان دارفور وجبال النوبة وغيرهما من المناطق التي تشهد نزاعات مستمرة".

الحياة في المنفى

وبعدما أوصدت الأبواب أمامه، مثل كثير من المغتربين، اضطر الكاتب الصحافي والسياسي السوداني فايز الشيخ السليك، إلى الخروج من السودان قبل بضعة أعوام، ليختار منفاه طوعاً.

ويقيم سليك في الولايات المتحدة الأميركية، لكنه يمضي من وقت إلى آخر بعض الفترات في مصر. خرج من السودان عام 2011، وكان رئيسا لتحرير صحيفة اسمها (أجراس الحرية)، أغلقتها السلطات السودانية، ومنعته من الكتابة.

وهو يقول ل"النهار": "بالتأكيد في هذه اللحظة، ومع حدوث هذا الحراك السياسي، يكاد يكون قلبي موجوداً هناك باستمرار، ولم أعد أتابع ما يحدث بصفة مهنية فحسب، ولكن كمواطن تمتزج في قلبه مشاعر الفرح والخوف معا" و"قبل حديثنا هذا مباشرة، كنت أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، لمشاهدة مقاطع الفيديو والصور والأخبار الخاصة بالتظاهرات، فهذا يعطيني شعورا بأنني في السودان، وسط أهلي، ولكن أيضا ينتابني احساس بالألم، وأسأل نفسي: لماذا لم أكن هناك بينهم؟".

ويضيف :"تأسرني شجاعة الشباب السوداني وجرأته، وأتمنى أن أكون بينهم. إنه شعور بالغ القسوة، وهو متضارب أيضا. وحسب تجاربنا فإن جهاز الأمن السوداني، منذ استولى الإسلاميون على السلطة في العام 1989، تحول إلى جهاز شرس. أسسوا (بيت الأشباح) حيث يعذب المعتقلون بأبشع صورة، وهم يعتبرون إيذاء معارضيهم جزءا من الجهاد في سبيل الله، ولا يشعرون بأي تأنيب ضمير، فهذا واجب ديني، وأي معارض للنظام هو معارض للدين، وخائن وعميل من وجهة نظرهم".



سودانيون يتظاهرون.


هذه ليست المرة الأولى التي تخرج في احتجاجات بالسودان حسبما يؤكد السليك: "كانت هناك تظاهرات في شهر تموز 2012، وهبة كبيرة في أيلول 2013، لكن الحراك الحالي هو الأكبر بين كل التظاهرات التي خرجت ضد النظام الحاكم. وعلى الرغم من قوة هذه التظاهرات ليس المشهد واضحاً، وقد يجهز النظام هجمات مضادة، خاصة مع توفر دعم من بعض النظم العربية والإقليمية الحليفة له، وقد يتحول الأمر إلى مجرد تجديد (منقار ومخالب النسر) الذي هو النظام الإسلامي الحاكم، لكن أيضا هذا لن يفيد كثيرا، لأن النظام استنفد كل مقومات بقائه".

الفرار براً

تعد الحدود البرية بين مصر والسودان ميزة تتيح الحركة بسهولة بين البلدين. وقبل سنوات قليلة كان بمقدور السودانيين والمصريين السفر في الاتجاهين ببطاقة الهوية فقط، ودون الحاجة إلى تأشيرة سفر مسبقة. وبعد فرض التأشيرة، لم يتوقف تدفق المسافرين. ففي شهر آب الماضي على سبيل المثال أصدرت البعثات الدبلوماسية المصرية قرابة 1200 تأشيرة يومياً، وهو ما يوضح حجم إقبال السودانيين على الانتقال إلى مصر.

رشا عوض لها تجربة مشابهة لتجربة السليك، وقد اضطرت لاستخدام الطريق البري للخروج من السودان قبل سنوات، بعدما منعت من السفر عبر الموانئ الجوية السودانية.

وتقول رشا لـ"النهار": "كان خروجي من السودان لأسباب سياسية متعلقة بالحريات والتغيير، وأنا أتابع ما يحدث هذه الأيام بمشاعر متفاوتة، فمن جهة، أشعر بالفرح والسعادة لأن الشعب السوداني ما زال نابضا بالحياة سياسياً، يرفض ما يفعله النظام، على الرغم من كل القمع والاستبداد الذي تعرض له، ومن جهة أخرى ينتابني شعور بالخوف مما يحدث، ويقلقني تعرض المواطنين الذين يواجهون رصاص السلطة بصدور عارية للخطر".

وتضيف الصحافية السودانية أنها مقيمة في مصر منذ سنة 2013 "ومنعت من الكتابة ومن العمل في الصحف السودانية، وكنت ذات مرة مسافرة لحضور تدريب في الصحافة الالكترونية، وتم منعي من السفر عبر مطار الخرطوم مرات، وكان هذا نوع من المضايقة، ورسالة مفادها أنك لن تستطيعي العمل في الصحف في الداخل، ولن تتمكني من الخروج للتدريب أو العمل في الخارج طالما أنت معارضة للنظام".

"شعرت حينها أن وجودي في السودان سوف يقضي على مستقبلي المهني تماماً، فقررت السفر إلى القاهرة عبر الطريق البري، وأسست صحيفة (التغيير) الإلكترونية، ومنذ أن خرجت، لم استطع العودة إلى السودان لأنني أتوقع المساءلة" تقول رشا.

أما محمد حسن وهو ممن انتقلوا حديثا إلى مصر، يقول لـ"النهار": "لقد قررت الانتقال إلى القاهرة بعدما بعت كل ممتلكاتي في السودان، وجلبت معي أسرتي لأن الحياة هنا أفضل نسبيا من الخرطوم. وبذات الإمكانيات التي أملكها في السودان، أستطيع أن أحصل على مسكن مناسب، ويمكنني كذلك استثمار ما تبقى لدي من أموال في شركة أو متجر أو مطعم يقدم الوجبات السودانية. كان هذا كله قيد الدراسة حتى بدأت الأحداث الأخيرة في السودان".

ويضيف حسن "منذ بدأت التظاهرات، عقلي وقلبي هناك، لا استطيع اتخاذ قرار واضح، أنا فقط أتابع الأحداث، وآمل أن ينتقل بلدي إلى حياة أفضل مما هو عليه الآن، ومن حسن الحظ فأنا أقيم حاليا في مسكن مؤقت، ولم اتخذ قرارا بعد في المشروع الذي سوف أقيمه بمصر، ولم اشتر مسكنا، وربما لو اتضحت الأمور في السودان، فسوف أقرر العودة مجددا، هذا لو ظهرت بارقة أمل في مستقبل أفضل".

من الآن فصاعداً، "نتفلكس" في لبنان مسموحة لفئة معينة فقط!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard