جورجيت ونعيم... وجهان يبحثان عن العيد والرضا (صور وفيديو)

23 كانون الأول 2018 | 10:44

المصدر: "النهار"

جورجيت لم تُرِد أن تُعَرِف نفسها باسم أهلها، مصرة على استخدام اسم زوجها.

يوم نزلت جورجيت سلوم أواخر ستينات القرن الماضي من بلدتها كرمسدة في قضاء زغرتا-الزاوية، للعمل في #طرابلس، لم تكن تنتظر أن تنتقل ذات يوم من بيتها الأهلي الوادع، إلى بيت يتهدده السقوط، إن لم يكن كاملا فبالتجزئة، في أي لحظة.

وجورجيت لم تُرِد أن تُعَرِف نفسها باسم أهلها، مصرة على استخدام اسم زوجها، تناهز السبعين، متعبة، مريضة، ومقيمة في بيت من الغرائب، حيث لا يمكن الصعود إليه إلا عبورا لبيت آخر تحته، كما لا يعرف تصنيف طبقات هذه البيوت، هل هي طبقتان أم أكثر أم أقل، فالسلالم متداخلة، والسلم يمكن أن يكون اثنين بسبب طوله وارتفاعه، ودرجاته محفرة تكسوها الأخاديد نظرا لقدمها، وكثرة العبور عليها حتى تآكلت، وبات الانتقال عليها محفوفا بمخاطر السقوط إلى خارج المبنى.

المنزل يقوم في محلة تعرف بـ"حي المفتي" ولا يعرف أهالي الحي سبب التسمية، لكنه يقع بين الشارع العريض المفضي إلى سوق البازركان، من جهة، وحمام العبد، وخان الصابون، من جهة ثانية، ولا يمكن الوصول إليه إلا بمرشد يعرف تفاصيل الحي وتداخلاته.

عند نهاية الشارع العريض ثمة انعطافة يمينا، تظهر منها قبب وقناطر خفيضة، يكاد عابر السبيل يطأطيء الرأس إذا أراد العبور تحتها، وإلى يسار القبوة الأولى، مدخل يفضي إلى ثلاثة مداخل، كل منها مخصص لتجمع بيوت متراكمة فوق بعضها، وكل تجمع بيوت منها يشكل بناء مستقلا، قائما بذاته. ممراتها تعبة، جدرانها مهترئة، وقد قلشت ورقة تلييسها التي مر عليها زمن لا يعرف تاريخه، ولم يسبق أن تحدث عنه، وعن طبيعته، مؤرخون سابقون.

تراكم جدران، وتراكيب بنيان متراكمة فوق بعضها، ومتداخلة في آن، في هندسة غير معروفة، وغير موجودة في علم الهندسة بالتأكيد، ومتشققة، تدلف قطرات مياه الأمطار.

يفضي مدخل أحد البيوت إلى قاعدة سلم شديد الانحدار، طويل، معتم لغياب الإنارة، وعند نهايته حبل غسيل. ومنه إلى ممر ضيق، بنهايته قاعدة سلم ثانٍ، تصعد عليها جورجيت لترشد أي زائر إلى مكان إقامتها، في فسحة مقطعة كأنها تتخيتة، حولها الناس إلى شبه منزل، حيث ينتهي السلم بفسحة صغيرة جعلها سكان البيت الحاليون والسابقون، بمثابة غرفة قعود، عند زاويتها طاولة عليها مذياع قديم مضى نصف قرن على صمته، وتفيد جورجيت "النهار "إنه ليس لي بل كان لحماتي الراحلة".

عندالفسحة مدخل لغرفة فسيحة، فيها سرير عريض يشي بأنه سرير زوجي، ينام فيه بصورة دائمة جورج سلوم، زوج جورجيت، لأنه تعب ومريض، وبات قليل الحركة، عاجزا، بعد أن كان نشطا، حيث عمل كدهان بيوت لفترات طويلة من عمره، بحسب جورجيت التي تضيف إنها تعرفت عليه في العيادة التي كانت تعمل فيها في صباها، وجاء جورج لطلائها، فأحببنا بعضنا، وتزوجنا، وذلك منذ أربعين سنة"، كما قالت.

أواسط القرن الماضي، كانت طرابلس مقصد أبناء المحيط، يفدون إليها للعلم والعمل، ويقيمون فيها غالبا خصوصا متى كانت قراهم وبلداتهم بعيدة. لكن جورجيت المارونية جاءت من منطقة الزاوية-زغرتا التي تعتبر قريبة نسبيا، إذ تبعد بلدتها كرمسدة زهاء عشرة كيلومترات عن طرابلس، لتقع في غرام الأرثوذكسي جورج، وتنتفي الفروقات بينهما على كل هذا المدى الزمني، خصوصا متى بات الهم شخصيا، ومتعلقا بصحة كل منهما.

هو مريض، ويعاني من السكري، والقلب، والكوليستيرول، والضغط كما تقول جورجيت، وعليه أن يتناول كل هذ الأدوية لكي يستمر، مع ان المدخول انتفى، وبات "الاتكال على الله في هذه الحياة"، بحسب جورجيت.

وجورجيت تشكو من صعوبة العمل في البيت المتشقق، الذي تتساقط من شقوقه نقاط المياه، والمهدد بسقوط أجزاء منه عند كل رعدة، كما حصل منذ أيام. والمطبخ إن هو إلا فسحة ركب فيها جورج مجلى من الستينلس، وصنع متختا صغيرا فوق الحمام لحفظ بعض الأغراض، أما الحمام، فلا يزال على النظام العربي المنخفض حيث لا يتسع لمقعد أفرنجي، تقول جورجيت التي ما زالت محتفظة بقنديل قديم معلق على جدار المطبخ، تحبه ولا تستغني عنه رغم انعدام وظيفته.

يفاقم سوء وضع المنزل صعوبة العمل فيه بسبب وضع جورجيت الصحي، فقد أجريت لها عملية استئصال الرحم في منذ ما يزيد على الخمسة عشر عاما، وربما كان ذلك سبب عدم إنجابها، لكنها ظلت مع جورج، لأنهما أحبا أحدهما الآخر، وذلك بنظرها، "يكفي لأن نظل معا حتى النهاية". كما خضعت لعملية استئصال الثدي.

وتختم جورجيت حديثها متمنية أن يتأمن لها منزل بديل، مهما كان صغيرا "لأستطيع العمل فيه، ولكي يزول خوفي من سقوطه كما هي الحال مع هذا البيت”.

ونعيم حداد ليس بحال أفضل، قبل الأعياد، وبعدها، فهو يعاني من انسداد رئوي، ويحتاج لدواءين يومياً، تبلغ تكاليفهما ال٢٥٠ ألف ليرة شهريا، إضافة إلى قناني الأوكسيجين التي لا يملك مردودها، فلا يعتمدها بين الأدوية التي وصفها له الطبيب.

نعيم، كما أفاد "النهار" يعمل في نادٍ في دوام جزئي بسيط مساء، يقدم فيه خدمة بعض المشرب والمأكل، لقاء ٣٥٠ ألف ليرة شهريا، ويعاون كاهن رعية المدينة الأب سمير ياكومي الذي يعتمد عليه في تأمين خدمات دفن الموتى، لقاء مكرمات آنية.

لم يتعلم نعيم حرفة في صغره تحميه العوز في كبره، فقد روى إنه كان يساعد والده الذي عمل في محل لبيع الألبسة، وعندما توفي والده، لم يكن يملك ما يعمل به، وبذلك ظل في وضع المحتاج طوال عمره.

وبين حاجته للدواء، وحاجات المنزل، زوجة وابن يافع، يكاد نعيم يفقد قدرته على مقاومة الصعاب، ولا يتمنى إلا تأمين الدواء بصورة دائمة.

عن مساعدة الكنيسة الأرثوذكسية لرعيتها، يقول الأب ياكومي إن "الكنيسة تقدم سنويا ما يناهز ال٢٠٠ مليون ليرة لرعيتها المؤلفة أساسا من ألفي عائلة يوم استلمت مهماتي الكنسية سنة ١٩٨٠".

ياكومي يضيف إن العائلات الأرثوذكسية المتبقية في رعيته، أي طرابلس حصرا، دون الميناء أو القبة، تبلغ حاليا ثمانماية عائلة بعد أن غادر الباقون (١٢٠٠ عائلة) المدينة، والمتبقون هم فقراء الطائفة، وعلينا بمساعدتهم قدر إمكاناتنا، لكننا نعرف أنها لا تفي بما نتمناه".

وأفاد ياكومي إن "الكنيسة تساعد طلاب الرعية بثلث أقساطهم في ثلاث مدارس أرثوذكسية في طرابلس، وهذه المدارس تتحمل الثلث، ويبقى الثلث على الأهل"، مردفا إن "الكنيسة تقدم المساعدة المقطوعة للطلاب في بقية المدارس، وتبلغ الموازنة التربوية التي تقدمها الكنيسة ما بين ٥٠-٧٠ مليون ليرة سنويا، أما باقي المبلغ، فنصرفه مساعدات طبية واجتماعية مختلفة للمعوزين".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard