عن ابتذال الساسة وموسيقى الأحرار الشعراء الحالمين

16 كانون الأول 2018 | 12:29

لا نجاة حتى للشاطئ (أ ف ب).

السياسيّون في لبنان يريدون مًنّا أن نكتب، لكن عن أشياء لا تمسّهم ولا تعنيهم ولا تدلّ عليهم ولا تشير إلى أنهم تجّار دين وأخلاق وشعارات "وطنجية". 

نحن ذرائعهم وسلالمهم ومطاياهم في دفاعهم عن الطائفية والمذهبيّة، التي لا مستفيد منها إلّا هم وأتباعهم المؤمنون بهم. نحن ذرائعهم وهم لا يتوانون عن الزّج بنا في محاورهم الإقليميّة، والدوليّة، التي نيرانها أكلت أخضرنا ولم يعد منّا إلّا اليباس. إنهم ورعاتهم ومشغّلوهم المستفيدون الحصريون من أخضرنا ومن يباسنا.

المدهش أن واحدهم ‎لا يتحرّك إلّا بوحيٍ من الله. المضحك المبكي أن لكلٍّ منهم إلهه الخاص، آمِرهُ وناهيه، وهو مطيعٰه وعبده الذي لا يردّ له أمراً.

فهذا إلهه سعودي، وذاك إلهه إيراني، وآخر إلهه أميركي، أو روسي، أو أوروبي.

أمّا إلهنا فإله الحب والخير والبساطة، إله الناس والكائنات كلهم.

إلهنا لن يبلغوه ولن يدركوه، وهم بهذا عارفون.

***

حربٌ كانت هنا أحلَك، أوعَر من أن ندخلها.

الآن حربٌ هناك أردأ وأوجع من أن نسمّيها.

هنا: يعني في بيروت.

هناك: يعني في دمشق.

هناك كان الأطفال النساء المنازل الشوارع، تنفتح قلوبهم، كما الحدائق.

هنا كان الأطفال النساء المنازل الشوارع، تنفتح قلوبهم كما الشواطئ.

هناك في أبو رمّانة. هنا في الحمرا.

كأنّك لم تغادر هناك. كأنّهم لم يغادروا هنا.

ها نحن لم نغادر هنا، وها هي حربُ وحوشٍ هناك.

والحرب والوحوش أيضاً هنا.

***

لم يتعاظم دور اﻷصوليات الدينية ومؤسسات الدجل السياسي، إلا بعدما تراجع دور المثقفين، وارتضى أغلبهم أن يكونوا أزلاماً عند هذا السياسي أو ذاك.

هكذا هي حالنا في شؤون السياسة في بلادنا، تماماً كما نحن في شؤون الزواج.

يدبر الكبار، ومهما علا صوت أحدهم بالوعيد والتهديد، فإن أمر وليّ الأمر هو المطاع، وكلمته هي العليا.

هو السيد ولا سيد إلاّه، ويا لهباء أنفاس الوعيد والتهديد، والصراخ واﻷصوات المتطايرة من فمه، التي ليست غير فقاعات في الهواء.

***

إنّ تصعيد النقمة، والتحريض، وتخوين النُخب الفكرية العلمانية، الثقافية، اللبنانية، العربية، النقيّة، من جانب "الإلهيين" جميعاً، سواء أكانوا سُنّة، أم شيعة، أم مسيحيين، أم يهوداً، يقابلها، بالخسّة نفسها، وبالإجرام والحقد نفسيهما، التصعيد الإسرائيلي الدائم في وجه الشعب الفلسطيني، سواءً أكان هذا التصعيد في الماضي القريب أم في الماضي البعيد، في الأمس القريب أم في الحاضر العتيد.

تتفوّق بالإجرام على كل هؤلاء، الأنظمة التي حكمت الشعوب العربيّة باسم الحريّة والديموقراطيّة والوحدة والاشتراكيّة. جميعها سقطت ولم تجد ملاذاً يؤويها بين من يُفترض أن يكونوا شعوبها، وأهاليها.

أمّا الابتذال الذي آلت إليه أحوال أهل الثامن وأهل الرابع عشر من آذار اللبنانيّين في منازلاتهم المكشوفة ضدّ الشعب اللبناني، لتثميرها في صناديق الإنتخابات فقط، فقد فاق اعتبارات الساسة الأسوياء وأدبياتهم، ولا شبيه له سوى أسلوب النخّاس مع العبيد.

***

كُنّا في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي نخرج في التظاهرات دعماً وتأييدا للمناضلين، ضًدّ التنكيل والاضطهاد في إيران الشاه وفي كوبا وفي أنغولا، وفي إفريقيا ضدّ الفصل العنصري، وفي غيرها من البلدان. قال الشيخ إمام وردّدنا معه "سايغون حُرّة يا أحرار". الآن يُنكَّل بنا بمجرّد أن نطالٰب بحرّيّتنا من بعض هؤلاء الذين دافعنا عنهم، ووقفنا إلى جانبهم ضدّ الطغاة، بل وبعضهم مباشرة يُنكّل بنا ويضطهدنا، وأياديه وأنيابه ملطّخة، ووالغة في دماء الفقراء والضعفاء من أبناء شعبنا. بل هم الطغاة. فهل يعرفون أنهم العار كلّ العار وأننا لن ننسى؟!

***

‎أي مقال يتحدث في السياسة، يجد الكُثُر ممن يعارضونه، والعكس صحيح. هذا أمر صحّي ومشروع ،لا بل هو غاية الكتابة. لكن أن يكتب إليك بعض الأصدقاء عبر الماسينجر أو الواتس آب، أو عبر غير ذلك من وسائل الاتصال يطالبك بمحو ما كتبت، لأنه لا يروق له ولا يوافق رؤاه، فهذا قمة الجبن والاستعباد لأفكار مذهبية وعرقيّة. يريدون منك ألّا تعارضها وألّا تدل على مكامن استعبادها لهم.

لذا أقول وبكل الثقة، والتصالح مع الذات:

‎يا أصدقائي، لن أتراجع عن قول كلمة الحق، والوقوف في وجه الظلم، وتبنّي قضايا الضعفاء، ولو كلّفني هذا حياتي.

***

‎فرحة ليس بعدها تلك التي تغمرك حينما تصلك أنباء عن سقوط أيٍّ من الديكتاتوريّات، أو عن سقوط أيٍّ من المقرّبين منها، حيث تعاودك أحلام الذين قدّموا حيواتهم في سبيل أن يسقط الظلم، وتندك أسوار المجرمين وقلاعهم.

كلّما سقط أحد المستبدين، أينعت أزهار الحرية.

كلّما اندكّت قلاع المجرمين، إتّسعت بساتين الفرح وتعالت أصوات موسيقى الأحرار الشعراء الحالمين.

ميسي وفابريغاس وجوزيف عطية والمئات يوجهون رسالة إلى هذا الطفل اللبناني



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard