إغلاق "كنيسة" في جنوب مصر... لماذا يفوز المتشدّدون دائماً؟

12 كانون الأول 2018 | 17:30

المصدر: "النهار"

كنيسة.

شهدت قرية كوم الراهب بمحافظة المنيا، على مدار الأيام الاخيرة، مشاحنات بين مواطنين مسلمين وأقباط، عقب قداس في مبنى يقول الأقباط إنه كنيسة جديدة.

وتشهد المنيا التي تقع على مسافة 265 كيلومترا جنوب القاهرة، أحداثاً طائفية من حين لآخر. وتعد المحافظة واحدة من المناطق التي يحظى فيها التيار السلفي المتشدد بتأثير شعبي، كما أنها معقل تنظيم "الجماعة الإسلامية" الجهادي.

وعلى الرغم من أن الحكومة المصرية  اتخذت خطوات تشريعية وأمنية لتجنب تلك الصدامات الطائفية المتكررة، إلا أن قدرة التيار السلفي على التأثير والحشد الشعبي -معتمداً على مناخ الكراهية الذي رسخه الخطاب الديني المتشدد- يثير تلك المشاحنات بصورة مستمرة، ويقلل من فعالية الإجراءات التي اتخذتها الدولة على مدار السنوات الخمس الماضية.

ووضعت مصر عام 2016 قانوناً ينظم بناء الكنائس، ويضع إجراءات إدارية واضحة لتقنينها، بعدما كان ترخيص كنيسة يحتاج إلى قرار من رئاسة الجمهورية. وخلال العام الماضي عالجت السلطات المصرية الأوضاع القانونية لمئات الكنائس. ويقول بعض الأقباط إن عددا من الكنائس التي سوّيت أوضاعها ظلت لعشرات السنوات دون ترخيص، وإحداها ظلت لأكثر من 100 عام تستقبل المصلين الأقباط دون سند قانوني.

"مخالف للقانون"

ويقول المحامي هاني صبري لـ"النهار" إن "منع الأقباط من ممارسة أبسط حقوقهم المشروعة في حرية العبادة وحرية ممارسة الشعائر الدينية وغلق كنيستهم مخالف لكافة الدساتير المصرية المتعاقبة والدستور الحالي في مادته (64)".

وتنص المادة المذكورة على أن "حرية الاعتقاد مطلقة. وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية، حق ينظمه القانون".

وأشار صبري إلى أن ما حدث "مخالف أيضاً لقانون بناء الكنائس الرقم 80 لسنة 2016 الذي يقرر أنه لا يجوز منع أو وقف ممارسة الشعائر والأنشطة الدينية في أي من هذه المباني وملحقاتها لأي سبب كان، ولا يُوجد أي قانون في الدولة يمنع حرية العبادة وحرية ممارسة الشعائر الدينية".

"80% دون ترخيص"

وتقول الصحافية المتخصصة في الشأن القبطي أسنات إبراهيم لـ"النهار" إن "جوهر الأزمة يكمن في أن قرابة 80% من الكنائس في مصر غير مرخصة، وحين تحدثت إلى مسؤول كنسي، قال لي إنهم قدموا أوراق تأسيس الكنيسة قبل نحو 30 عاماً، واشتروا الأرض التي تنطبق عليها جميع الاشتراطات القانونية المطلوبة، فهي أرض مخصصة للمباني وليست زراعية، كما أنها تبعد عن أقرب مسجد مسافة تزيد على 600 متر، كما أن عدد الأقباط في القرية يتجاوز 2500 مواطن، ومع هذا لم يحصلوا على الترخيص المطلوب".


"هذا هو المعتاد... في أغلب الأحيان لا يحصل الأقباط على التراخيص" حسبما تؤكد أسنات، "لو نظرنا إلى عهد (الرئيس الأسبق محمد حسني) مبارك، سنجد أن الكنائس التي حصلت على تراخيص لا يتجاوز عددها أصابع اليدين، ولهذا كان المعتاد أن يتجه الأقباط لتخصيص مكان يصلون فيه، وتستمر الأوضاع وفقاً للأمر الواقع، وبعد صدور قانون الكنائس للعام 2016 تمت معالجة هذه الأزمة".

وتشير الصحافية إلى أنه "بالنسبة للمشكلة الخاصة بقرية كوم الراهب، ظل الأقباط ينتظرون ترخيص بناء كنيستهم، فلما تأخرت لأكثر من 30 عاماً، لجؤوا إلى اختيار مكان للصلاة، وكان هو المبنى الذي تثور حوله المشكلة الحالية. أقاموا قداسا فيه يوم الأحد قبل الماضي، ومر دون مشاكل. ويوم الأحد الأخير بدأ المتشددون يعترضون على إقامة الصلاة في المبنى بحجة أنه دون ترخيص، رغم أن هذه مهمة الدولة لا مهمتهم".

تضيف الصحافية المتخصصة في شؤون الأقباط :"لنكن واقعيين، للأزمة شقان: الأول هو أن أغلب الكنائس التي أقيمت استمرت بالأمر الواقع، ولم يلتزم الأقباط بالقانون، ولكن في الوقت ذاته، وهذا هو الشق الثاني من الأزمة، وهو أن الأقباط لجؤوا لهذا الإجراء لأن القانون لم ينصفهم، فهذه القرية التي تضم قرابة 2500 قبطي لهم الحق في بناء كنيسة، وظلوا عشرات السنوات يحاولون تأسيس كنيسة لهم بالقانون لكنهم لم يفلحوا، وبعض الكنائس ظلت عشرات السنوات، وهناك كنيسة بقيت قائمة 120 عاماً دون أن تحصل على ترخيص".

"متطرفون من الجانبين"

لكن الباحث المتخصص في شؤون الجماعات والإرهاب الدولي منير أديب يرى المشكلة من زاوية مغايرة، ويشير إلى أن الأزمة يشعلها متشددون مسلمون وأقباط على حد سواء، ويقول لـ"النهار": "هناك متطرفون من الجانبين، ومثلما هناك متطرفون لديهم مشكلة في بناء كنيسة بمصر، هناك متطرفون على الجانب الآخر يريدون بناء كنيسة في كل شارع بمصر. وفي واقعة المنيا بشكل محدد، تم القبض على متهمين مسلمين ومسيحيين، وهذا يؤكد أن هناك تطرفاً في الجهتين".

"الكنيسة التي تدور حولها المشكلة الراهنة لم تسوي أوضاعها القانونية" بحسب أديب، "أي أن الدولة التي نحترم قانونها ودستورها، لم تعالج أوضاع الكنيسة، وهي لم تفعل هذا ليس لكسل منها، ولا لابتزاز المتطرفين من المسلمين، ولكن لأن هناك إجراءات تحتاج وقتاً، وهذه الإجراءات تدفع المتطرفين من الأقباط للصلاة في الشارع، والهدف من ذلك هو الترويج إلى أن المسيحيين مضطهدون في مصر. الضغوط التي يمارسها الجانبان لن تجدي نفعاً، فالكلمة الفاصلة هي للدولة وأجهزتها الأمنية".

ويؤكد الباحث السياسي: "غالبية المصريين المسلمين يؤيدون حق المصريين المسيحيين في بناء دور عبادة خاصة بهم، فإذا كنا نرى أن الدولة هي التي تنظم هذه المسألة، ونثق في أن المتطرفين لا يمثلون رقما في حساباتها، والدولة لم ولن تخضع في المستقبل للمتطرفين، فلم لا ننتظر قرار الحكومة بدلا من التصعيد المتبادل؟!".

ويشير أديب إلى أن "المسيحيين لا يعيشون في مصر دون دور عبادة، وهذا لا ينفي أن لديهم مشكلة حقيقية، وهذه المشكلة تنظر فيها الدولة، وتعمل على حلها عن كثب، لهذا لا يجب أن يخرج المسيحيون للصلاة في الشارع (كما حدث في واقعة الكنيسة الأخيرة)، لأن هذا يشحن الأقباط في شتى ربوع مصر. الصلاة كانت في شوارع قرية بمحافظة المنيا، لكنها سوف تستنفر مشاعر المسيحيين في الإسكندرية شمال مصر، وفي كل جزء من هذا الوطن. وأنا واثق من أن المسلمين لا يقبلون أن يحرم المسيحيون من بناء دور عبادتهم، وإذا كان هذا شعور عامة المسلمين، فالدولة تعمل بالتأكيد على حل هذه المشكلة".

"آيا صوفيا": قصة ١٥ قرناً ونزاع لم ينتهِ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard