نهاية حقبة ميركل قد تكون "حزينة" ... لكن ليس بشكل مطلق

10 كانون الأول 2018 | 13:49

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

ميركل تحضر اجتماعاً في البوندستاغ، قبل انتخابات ولاية هيسن. 17 تشرين الأول 2018 - "أ ب"

في ما اتّفقت وسائل إعلاميّة عدّة على تسميته ب "نهاية حقبة"، تخلّت المستشارة الألمانيّة أنجيلا #ميركل عن رئاسة حزبها التي استمرّت حوالي 18 عاماً. مع صدور نتائج الانتخابات التشريعيّة العامّة في أيلول 2017، بدأت ميركل تواجه تعقيدات كبيرة. لكنّ المنعطف الأصعب في مسيرتها السياسيّة برز خلال شهر تشرين الأوّل الماضي، مع خسارة ائتلافها الحكوميّ انتخابات محلّيّة في ولايتي هيسن وبافاريا. فبالرغم من حلول "الاتّحاد الديموقراطيّ المسيحيّ" أوّلاً في هيسن، تراجع بحوالي 11 نقطة عن انتخابات 2013، وانطبق الأمر نفسه على "الحزب الاشتراكيّ الديموقراطيّ". 

وفي بافاريا، تراجع "الاتّحاد الاجتماعيّ المسيحيّ"، شقيق حزب ميركل، بحوالي 12 نقطة عن سنة 2013 فخسر الأغلبيّة المطلقة في ولاية هيمنَ عليها طوال أكثر من نصف قرن من الزمن. بعد هذه النتائج، قرّرت ميركل عدم الترشّح مرّة أخرى إلى رئاسة الحزب والتخلّي أيضاً عن منصبها كمستشارة لألمانيا بعد انتهاء ولايتها الحاليّة سنة 2021.


انتهى مفعول "فنّ الصفقة"

في تلك الانتخابات سجّل حزبا "الخضر" (اليسار الوسط) و "البديل لأجل ألمانيا" (يمين متطرّف) تقدّماً بارزاً. بدأ حزب ميركل يخسر شعبيّته منذ قرّرت المستشارة فتح حدودها أمام اللاجئين سنة 2015. وعندما قرّر "الاتّحاد الاجتماعيّ المسيحيّ" اعتماد سياسة هجرة متشدّدة خوفاً من تقدّم اليمين المتطرّف، صوّت الناخبون المعتدلون لحزب "الخضر". وما فاقم الوضع، دخول الحزبين "الشقيقين" في توتّر قبل الانتخابات، مع تهديد زعيم "الاتّحاد" ووزير الداخليّة هورست زيهوفر بالاستقالة أوائل الصيف الماضي، في حال عدم قبول ميركل باعتماد سياسة جديدة تجاه المهاجرين. لكن إذا كان "فنّ الصفقة" لدى المستشارة هو ما أنقذ الائتلاف الحكوميّ في تمّوز الماضي، فإنّه لم يستطع بعد أشهر قليلة إنقاذها في أكثر الأوقات حرجاً بالنسبة إليها.

في السابع من الشهر الحاليّ، فازت أنغريت كرامب كارينباور المقرّبة من ميركل برئاسة الحزب في مواجهة فريديريك ميرز الذي كان يريد توجيه الحزب باتّجاه اليمين. لكنّ هذا الفوز لن يغيّر من واقع أنّ ميركل وصلت إلى خريف مسارها السياسيّ، وقد ينعكس ذلك بدوره على مستقبل الحزب. بالرغم من أنّ شهر تشرين الأوّل رسم المنعطف الأصعب أمام ميركل، لم تحمل أيّامه مفاجأة كبيرة لحزبها الذي بدأ منذ شباط الماضي يجري تغييرات داخليّة من أجل استباق ما هو قادم عبر ترفيع جيل جديد من المحافظين. وقبلت ميركل حينها بإدخال وجوه جديدة إلى الحكومة من أجل تهدئة حزبها الغاضب من بعض شروط التحالف مع "الاشتراكيّ الديموقراطيّ".


جدار برلين النفسيّ لم يُهدم

في تقرير ل "فايس نيوز" على شبكة "أتش بي أو"، يبدي أحد المهندسين المتقاعدين انتقاده لسياسات ميركل، فيقول إنّها تتحدّث عن دمج اللاجئين في المجتمع الألمانيّ، بينما يشعر كثر من شرق ألمانيا بأنّهم غير مندمجين بالكامل في ذلك المجتمع. من جهته، أنكر المؤرّخ والمستشار السياسيّ الدكتور مايكل شتيرمر قوّة ميركل واصفاً ذلك ب "المبالغة" قائلاً إنّ "قوى خارجة عن سيطرتها" هي التي قادت سياساتها. وعندما ووجه بسؤال حول تعاطيها مع الأزمة الماليّة وأزمة اللاجئين بطريقة مكّنت #ألمانيا من البقاء أقوى من سائر الدول الأوروبّيّة أجاب أنّ شعبيّة حزبها تراجعت من 40 إلى 25% متسائلاً عن شكل الفشل في حال كان هذا التراجع يوصف كنجاح.

ومع ذلك، لم يتبيّن من التقرير، أنّ شتيرمر حدّد ما هي "القوى الخارجة عن سيطرتها التي قادتها". وتآكل شعبيّة حزبها لا ينفي واقع أنّ الاقتصاد الألماني هو الأقوى في أوروبا والرابع على مستوى العالم، حيث لا تسبقه في ذلك إلّا اقتصادات كلّ من الولايات المتّحدة والصين واليابان. لكن هنالك تحليلات أخرى ترى فعلاً أنّ قوّة ميركل الذي قيل عنها في فترة من الفترات إنّها المرأة التي لا تُهزم مستمدّة من قدرتها على تسليم حزبها الانتصارات الانتخابيّة التي يريدها.

في هذا الوقت، يُنتظر من أنغريت كرامب كارينباور التي تُكنّى ب "ميني ميركل" والمعروفة داخل حزبها بالأحرف الأولى من اسمها "أ.ك.ك." أن تعيد إليه الناخبين الذين خسرهم خلال السنوات الأخيرة. وقد لا يكون هذا الهدف بعيداً عن المتناول حتى وإن لم يكن سهلاً في الوقت نفسه، إذ من غير المتوقّع أن يشكّل تراجع شعبيّة "الاتّحاد الديموقراطيّ المسيحيّ" مساراً طويل الأمد. وعلى الرغم ممّا تمرّ به ألمانيا حاليّاً، فإنّها لن تصبح إيطاليا على مستوى وصول الشعبويّين إلى السلطة. وحتى يصبح بالإمكان الحكم على أداء كارينباور الحزبيّ خلال الأشهر والسنوات القادمة وكيفيّة تأثيرها وتأثّرها بسياسات ميركل التي ستبقى مستشارة حتى 2021 (مع توقّعات باستقالتها قبل ذلك)، يمكن مراقبة بعض ما يمرّ به "البديل" داخليّاً.


هل تحقّق بانسحابها ما عجزت عنه في حكمها؟

حاليّاً، يحتلّ تحالف "الاتّحاد الديموقراطيّ المسيحيّ" و "الاتّحاد الاجتماعيّ المسيحيّ" صدارة الأحزاب الأكثر شعبيّة يليه حزب "الخضر". وفي تشرين الأوّل، تمكّن "البديل لأجل ألمانيا" من تسجيل حضوره في جميع البرلمانات المحلّيّة في البلاد. لكنّ توقّع المزيد من النجاح له قد يصبح أصعب مع مرور الوقت. ف "البديل" يواجه مشاكله الداخليّة الخاصّة مع اتّهامات بأنّ زعيمته المشاركة أليس فايدل تلقّت تمويلاً غير شرعيّ للحملات الانتخابيّة بقيمة 130 ألف يورو من قبل مانح في سويسرا. كذلك، يعيش الحزب خلافات بين المشكّكين في مؤسّسات الاتّحاد الأوروبّي من جهة وأولئك الذين يحملون توجّهات يمينيّة أكثر تطرّفاً.

وكانت تقارير أخرى قد أشارت السنة الماضية إلى أنّ فايدل قامت بتشغيل طالبة لجوء سوريّة بطريقة غير شرعيّة، أمر نفاه محاميها. ولو صحّت بعض التوقّعات، فقد لا تكون نهاية حقبة ميركل بالضرورة "حزينة" أو "مؤلمة" بشكل مطلق. فقد ذكرت صحيفة "تاغ شبيغل" أنّ "البديل" قد يتضرّر من رحيل المستشارة الألمانيّة عن قيادة حزبها:

"مع انسحابها، قد تكون أنجيلا #ميركل أنجزت أمراً فشلت فيه سابقاً: أن تؤذي فعلاً البديل لأجل ألمانيا".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard