الشاعر غسان الخنيزي: الحزن عراقيٌّ وفي العراق تفتحت لديَّ أسئلتي الحقيقية

6 كانون الأول 2018 | 09:13

الشاعر السعودي غسان الخنيزي حاضرٌ بيننا في معرض بيروت العربي الدولي للكتابه، من خلال ديوانه "أوهام صغيرة"، في طبعته المنقحة الجديدة، الصادرة لدى "دار الجديد"، وهو سيوقّعه في جناح الدار نهار السبت الواقع فيه ٨ كانون الأول 2018. على هامش هذه التجربة، كان هذا الحوار:

* مرّت سنوات على ديوانك المستعاد اليوم بطبعة قشيبة. من بعده نشرتَ ديوانًا آخر وترجمت ديوانا لجون آشبري الاميركي الشاعر الصعب، كيف تصف طريقك في بحار الشعر؟

- علاقتي بالكتابة الشعرية هي علاقة جمالية بل وأبيقورية إلى حدٍ كبير؛ مقاربةٌ تُعلّي من قيمة المتعة في الأشياء. لست مهتمًا في كتابتي بتقصّد المعاني والمقاصد الكبرى، هنالك ما يكفي من اصحاب النيات والمهرة ممن ينفخون الحياة فيها كل يوم، ومثلهم من الحانوتيين الذين يقومون بدورهم بدفنها حفظًا على توازن العالم. بالنسبة لي تظل اللغة هي موضوع الكتابة، أقصد الكتابة الشعرية وليس صفحات الإعلانات أو زوايا الرأي. تركيزي على اللغة يعني مواصلة المغامرة الإبداعية في تقديم اللغة عاريةً مما كان يسندها من هيكلية خارجية، أو نَسَقيّة مُزكّاة، أو خطابية عالية، وذلك بحثًا عن الطبقات الأعمق من مجاهل الذات، أو كما يقول جون آشبري أيضًا: أكتب وغايتي التعبير عن معنى لا يتأتّى لي في كلمات إلا لحظة كتابته في القصيدة. نحن بهذا نحلم أن نقول ما لم تقله الأوائل. تلك مهمة صعبة وربما فيها شيء كثيرٌ من غفلة الطفولة، وهي مدعاةٌ للإحباط اليومي لمن ينتظر لحظة شعرية كالتي أصفها هنا. أنا في صدد مخاطرة غير محمودة النتائج دائمًا، وليست مكان آمنًا لطلاّب المقاصد الكبرى. ذلك، بالنسبة لي مصدر إلهامها وجمالها.

* من أين لكَ هذه اللغة المتينة أنتَ الذي عشت لسنوات في الغرب؟

- اللغة المتينة والأخرى الركيكة، كلتاهما في المتناول وعلى قارعة الطريق، في كل مكان. لحسن الطالع فإن الصديق الذي نسمّيه "الكتاب" هو ظاهرة كونية ومتنقلة زمانًا ومكانًا. هذا الكتاب قد يكون مجلة مصوّرة أو ديوانًا أو معجمًا لغويًا. والصنف الأخير أثيرٌ، وماتعةٌ صحبتُه بالنسبة لي ومصدر إلهامٍ لا يُحَد. لسنوات لم يفارقني مثلًا معجم "المترادف والمتوارد" للمعلم إبرهيم اليازجي، أحد الآباء الأماجد للغة العربية الحديثة وأسباب نهضتها. وقد رَبينا على أن الكلمات هي وسيلتنا للتفكير في الأشياء وما تكونه، وفي كيف لنا أن نرتفع بها ومعها إلى العُلى التي نتمنى. وبذا نتوجه، كشعراء، إلى الكتابة الأكثر دهشة وإلى اللغة الأكثر إنغراسًا في المُعطى وفي الحواس. ذلك يكون مرادفًا للاهتمام الدائم، وربما الهوس المزمن باللغة وتجلياتها.

* هل هو جبن أو شجاعة أن يستمرّ الإنسان شاعرًا في عالم صعبٍ ولا يبالي؟

- أحسب أن الأمر لا يحتمل الكثير من الإطناب في ذواتنا فخرًا أو مذمة. الشعر فعالية يمكنها أن تتسامى فوق صعوبة العالم وتدفع بنا خلل هذه الصعوبة وفوقها. ذلك هو، ربما، الفعل الإبداعي؛ فعل المخيلة-الطفلة التي لا تود ولا يجوز لها أن تكبر. بل عليها أن تظلّ تختبر التخوم وحدود الممكن، ومن ثم تدفع بها إلى أصقاع نائية ومجاهل جديد تعرّفها وتجلي طبيعتها.

* تقول: الحزن عراقيّ. هل انتشر العراقُ في كلّ البقاع الناطقة بالعربيّة؟

- الحزن هنا في معناه العام الذي نخبره جميعًا في تضاعيف الشجن العراقي، وفي معناه الشخصي لارتباطاتنا العائلية مع ذلك البلد؛ هناك بيتٌ ثانٍ لجدي وبيت أول لعمّاتي. للعراق أيضًا مكان خاص لديّ، في طبقات الوعي وأركيولوجيا النشأة. كان العراق دائمًا بالنسبة لنا منارَ حضارة هائلاً ووجهةً ومحجّة منذ زمن السومريين ربما. على هذه الخُطى ربما أعدت سيرة الأسلاف ولكن بطريقتي التي منحتي أياها ظروف حياتي العائلية. نشأت في بغداد العظيمة لشوطٍ من الزمن في بداية السبعينات وقبل قليل من بدء الانهيار العظيم للعراق. وكنت فيها الصبي الغريب والمتوحد الذي يسوح أحيانًا في مكتباتها وشوارعها بحثًا عن مجلات الناشئة، ويزجي الوقت أحيانًا أخرى في ردهات المتحف العراقي صحبة بابلييه وآشورييه. وفي العراق تفتحت لديّ كل أسئلتي الحقيقية؛ أقصد الإسئلة التي لا أحب لها أن تنتهي.

* من حيث ما قرأناه اكتشفنا أن مضمون الكتاب الحزين تجسد في عنوان "أوهام صغيرة"، فما هي العلاقة بينهما وهل الاخيرة هي نتيجة حصول الحزن؟

- كنت قد ألمحت في قراءتي الذاتية لهذا الكتاب، إلى الكيفية التي تأتّى لي عنوان كهذا. كان هنالك أمامي (ولمّا يزل) مشهدٌ سيّال وثابتٌ وملحٌّ للقطة كابوسية من شريط الأخبار لعام ١٩٨٢. ما الذي حدث عام ١٩٨٢؟ لم تكن العين ولا الضمير قد تعوّدا بعد على مشاهد الأشلاء والدمار وهي تدق الأبواب. ولم نكن بعد على هذه الأريحية الهوليوودية مع الصورة والفيديو وتلفزيون الواقع. كنت شابًا يشهد أوهامنا الكبرى، تتهاوى بطريقة درامية ومطنبة في مأساتها، والعالم كما أعرفه قد تغيّر بلا رجعة. وعليه بقيت لدي أوهامي الصغرى التي يصح لي أن أتأملها، وأغنّيها.

* ما هي حكاية قصيدة 1992؟ وكيف تصف ذلك العام؟

- يروق لنا كثيرًا أن نجرب اللعب مع عناوين النصوص. كنت أحيانًا أطلب من الآخرين اقتراح عناوين للنصوص للخروج من انحباس كتابي ما. هنا في هذا النص يكون التاريخ هو العنوان أو ما يقوم مقام عدمه. كان عامًا على ما أتذكر كغيره، فيه ذلك النمو المؤلم والحنون الذي يدفع بك كالطفل في أول يوم دراسي؛ كل يوم، الحلم الذي يتكرر في المنام وفي اليقظة. لكنها كغيرها تستحق لحظات الاحتفال بنا، وبكل الانتصارات والهزائم التي تركتنا، ولمّا نزل هنا.

* ما الغاية من وجود لوحات داكنة ضمن صفحات الكتاب؟ وهل في رأيك قد نقلت الاحاسيس والمشاعر لمخباة في الكلمة؟ أو بقيت قاصرة عن التعبير؟

- كنت محظوظًا كثيرًا بأن تشاركني الشاعرة والفنانة التشكيلية الإماراتية ميسون صقر القاسمي، بلوحاتٍ تخطيطية من وحي النصين الأخيرين في الكتاب. كنت أطمح إلى تصعيد ملحمي في هاتين المطولتين. ولا أظن أن هنالك ما هو أكثر حميميةً من هذه اللوحات بتلقائيتها وبلاغتها الانفعالية وجمالياتها المعتمدة على الإيجاز والتقشف لتكون مجاورةً لنصوصي. ولا أظن إن أحدًا غير الصديقة ميسون، وهي الشاعرة والرسامة المبدعة، كان قادرًا على الاقتراب من التجربة هكذا ومنحها الشكل النهائي الذي نراه.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard