لغز الفرق بين اللبناني واللبنانية

1 كانون الأول 2018 | 13:14

المصدر: "النهار"

الكاتبة مع ابنتيها. تصوير ساكو بيكاريان.

أودّ أن أفهم لغز الفرق بين اللبناني واللبنانية. أريد أن أحلّ لغز حصول اللبناني على حقوقه كاملة وأكثر مني؟ لماذا وكيف وإلى متى؟ فلغاية اليوم، نحن غير متساوين في الحقوق. نحن متساوون في الواجبات تجاه الدولة وأولها دفع الضرائب عينها، نتعرّض بالتساوي لإنقطاع الكهرباء والمياه. متساوون أيضاً في البطالة، متساوون في بيئة ومكبّات عشوائيّة. نتنشّق الروائح الكريهة عينها من مكب "الكوستا برافا" مروراً بالناعمة وبرج حمّود وصولاً الى كافة مكبات المناطق، ولكن لسنا متساوين في الحقوق، لا في قوانين الأحوال الشخصية ولا في حق إعطاء جنسيّتنا إلى أسرتنا.

أسئلة

هناك من سيقول لي أن هذا ليس بلغز وأن الكلّ يعلم أن المسألة طائفية بإمتياز. ولكني بكل صدق والى اليوم لا زلت أعتبر الأمر لغزاً، لأنني ألاحظ المساواة في المظاهر. ندرس سوياً، نتظاهر جنباً الى جنب، نسهر في المطاعم... ولكن، لماذا للرجل حقوق اكثر مني؟ ولغاية اليوم لم يستطع أطفالي أن يقيموا في بلدي من دون إقامة مؤقتة ومحدودة المدّة؟ لمَ عليّ تقبّل ضرورة التقدّم بفيزا لأولادي، لكي يعودوا معي الى وطني الذي ولدت فيه وعشت فيه وتربيّت على أرضه؟ عشت فيه أصعب الأيام، حرباً أهلية طويلة، وحرباً أخرى وأخرى، قصفاَ وتدميراً وتشريداً وتفجيرات واحدة تلو الأخرى. سيقال لي مجدداً أنه ليس بلغز وأني أبالغ. لا، هو لغز غير مفهوم لا في الشكل ولا في المضمون. فمن حيث المبدأ، يكفل الدستور اللبناني المساواة بين المواطنين.

"البعبع"

ولمن لا يعرفني، أعرّفه بنفسي: أنا لبنانية أباً وأماً عن جد وجدّة. اسمي مي اليان ولدت في مستشفى معربس في فرن الشباك من أم وأب لبنانيين ولدا من أب وأم لبنانيين. والدي مسيحي ماروني ووالدتي مسلمة سنية. عمري من عمر بدء الحرب في لبنان، عندما كنت صغيرة كانت بطاقات الهوية تكتب الديانة عليها. فكنا كلما مررنا بحاجز من طائفة معينة نرتعب، أم مسلمة مع ٤ أطفال مسيحيين. خلال الحرب كانت كوابيسي عبارة عن تخيّلي مكاناً ضيّقاً، بقعة ترتسم على خطوط التماس بين الشرقية والغربية عندما كان يحكى بالتقسيم. الحرب انتهت، لكن الطائفية اليوم أيضاً لا تزال "البعبع" وهي تعيق حصول أطفالي على جنسيتي. بعد الحرب أزالوا مشكورين الطائفة عن الهويّة، وخرجنا من زمن الذبح والخطف على الهويّة. لكن الذبح المعنوي على الهويّة يبدو أنه لا يزال مستمراً. بسبب الطائفية، أي تجنباً لخلل في الأعداد. ولتجنب الخلل الديموغرافي يحرمون أطفالي من جنسيتي اللبنانية التي على ما أعتقد، وبسبب ما مرّ بنا من ويلات على هذا البلد تستحقها أسرتي بجدارة.

في إمكاني أن أهاجر إلى كندا، أكدّ وأتعب وأحصل بفخر على الجنسية الكندية بعد أعوام وأمررها لأطفالي، ولكني اذا عدت الى بلدي عليّ أن اتقدّم بإقامات لهم. لغز! أليس هذا لغزاً؟ فسّروا لي. هل أنا نصف مواطنة؟ ما الذي ينقصني عن اللبناني؟ والى متى ننتظر؟ آن الآوان لنحصل على بلد حضاري، عصري يثق بنسائه كما برجاله. تربح المرأة في تونس بقرار مساواة في الإرث ونحن نقبع في سجون الأحوال الشخصية المجحفة ونركض إلى الأمن العام لنؤمن إقامات مؤقتة لأولادنا.

تجديد البطاقات

منذ مدّة جددت اقامات بناتي، قيل لي أن العملية باتت أسهل، وأنه في إمكاني التجديد من دون حضورهما، ولكن للأسف تبيّن أن المعلومة غير دقيقة. فالأوراق المطلوبة على موقع الأمن العام ليست كاملة، إضافة الى أنه كان عليّ إحضار بناتي شخصياً لتجديد البطاقات. وعندما استفسرت تبيّن لي أن العاملة الاجنبية هي التي لا لزوم أن تحضر شخصياً لتجديد بطاقتها كما أوضح لي الموظف بثقة: "هويّ وكيلها" وعندما استنفرت وقلت للموظف "وأنا أمّهما" لم يُجب، ثم تذكّر وقال:"اعترضي عند الضابط". تفاءلت عندما رأيت ظابطاً شاباً وسيماً باسماً، لكنه لم يكن أكثر تفهماً لإستغرابي هذا التناقض، أجابني : "بدّك تجبيهن شخصياً، أتستكترين علينا زيارة كل ٣ سنوات!" هنا وددت أن أصرخ بأعلى صوتي : لماذا عليّ الاتيان بهما شخصياً للتجديد؟ ولم تحديد المدة بثلاث سنوات ولم هذا الرقم حتى وإن كان جواز سفرهما يصلح لمدة ٥ سنوات؟ لكني تعبت ووددت أن تنتهي المسألة. وأعترف أني خفت، ارتعبت من أن تعرقل الأوراق. وشعرت بغضب شديد وعدت الى المنزل مطأطأة الرأس وأخذتهما معي لأثبت أنهما بنتاي وأنهما في وطني وأنهما هنا بشكل مؤقت. لم المؤقت؟

مواجهة الحجج

اللبناني يعطي الجنسية لأولاده ولزوجته الأجنبية، ونحن نقبع تحت وهم الوعود والتأجيل. فان قابلتني بحجج التوطين، سأقول لك أن إسرائيل صنعت التشريد واللجوء والتوطين ولست أنا من يتحمّل هذا العبء وحيدة. وإذا واجهتني بأن البلد صغير ولا يتسع، سأقول لك : لا يتسع؟ إن كان الأمر كذلك، فهل تعني بقولك لي أن نبقي اللبناني ونرمي باللبنانية؟ ولم تهرع لتعيد الجنسية الى من سقطت عنهم بعامل الزمن بسبب الهجرة التاريخية -ونحن مع استعادتهم الجنسية- وتبقي بنتاي بلا حقوق في وطن أمهما؟ ثم تقول احداهّن لي يوماً، مطالبتك هذه ستزيد عدد المسلمين على المسيحيين، وأجيبها بوضوح إني أتفهم خوفك من هجرة المسيحيين من الشرق، ولكن منعي من حقوقي ليس الحلّ، ربما الأجدر بك التوجه الى المرجعيات المسيحية لتقوم بالتخطيط لبقاء الشباب المسيحي الذي لا يمكنه شراء مسكن لائق وبناء عائلة وتعليم أطفاله في مدرسة ذات مستوى من دون أقساط خيالية.

آن الاوان

فيا نساء بلادي اتحدن. لقد آن الآوان لأن نتحد في وجه هذه السلطة الذكورية التي أطالت الظلم اللاحق بنا. ويا أيها اللبنانيون الرجال الذين تؤازروننا أقنعوا من هم من حولكم ومن جنسكم بأنه كفى ظلماً وعبثاً بحقنا. ولكل داعم لقضيتنا أن يتحد معنا أيضاً اليوم أكثر من أي وقت مضى لنصل الى قانون عادل يعطينا ما سلب منا. والى السياسي المتشبث برأيه: هل سننتظر أن تتزوج ابنتك من أجنبي لتشعر بما نشعر به؟

لا أختلف عن الرجل اللبناني بشيء، فهل عليّ أن أضع شارباً أو أربّي ذقناً كي أثبت أنه من حقي أن أمرر جنسيتي لأطفالي، لأسرتي؟ أهذا هو اللغز؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard