الدولة والمواطنة بصيغة المذكر

30 تشرين الثاني 2018 | 19:45

"التنفُّس تحت الماء"، حال اللبناني في الواقع والمجاز (أب- تعبيرية).

تتمثل إحدى القواعد الأساسية للمساواة التي ينص عليها الدستور اللبناني في منح الحماية والضمانات لجميع المواطنين دون تمييز، إلا أن هذا المبدأ يفقد روحه في التطبيق عند الانتقال من الدستور إلى القوانين الوطنية. وتظهر آثار ذلك على أهم مستويين من مستويات تمكين المرأة: قانون الجنسية، حيث لا تزال المرأة محرومة من منح جنسيتها لأولادها وزوجها، ما يحيلها إلى مواطنة من الدرجة الثانية. وقانون الأحوال الشخصية الذي يُعتبر الأثر الأكبر على حياتها بالكامل، أي على علاقتها بنفسها وبالمجتمع. ونحن نعلم أن قوانين الأحوال الشخصية في بلداننا العربية تتضمن بوضوح وصراحة تمييزاً صارخاً ضد النساء بمجرد اعتبار أن الرجل هو رب الأسرة، واضعة بذلك "دونية المرأة في الأسرة" في طابع مؤسَّسي. وانطلاقاً من ذلك يُنتظر من المرأة أن تطيع زوجها مقابل أن يؤمن حاجاتها المادية.

وتنص القوانين الوطنية العربية صراحة على وجوب الطاعة باستثناء بعض قوانين الأحوال الشخصية في تونس والمغرب وليبيا.

ففي لبنان على سبيل المثال، تطبق قوانين الطوائف التي تكرس التمييز ضد المرأة في حقوق الزواج والطلاق والحضانة والوصاية. والجدير بالذكر أن هذه الفوارق في القوانين على اختلافها تؤدي إلى تهميش النساء والفتيات والحد من تكافؤ الفرص في التعليم والتوظيف، وتقيّد الوصول إلى الرعاية الصحية.

والجدير بالذكر أن لبنان الذي صادق على اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة سنة 1996، تحفظ على المادة 16 الخاصة بقوانين الأحوال الشخصية، ما أفقد الاتفاقية روحيتها بالذات، فالتحفظ على نصوص الاتفاقية يجعلنا نشك في وجود إرادة حقيقية لدى الحكومة للالتزام بنصوصها.

ونحن نرى أن ما يؤثر على استعصاء التنظيم القانوني للأحوال الشخصية على التغيير والاستجابة لمتطلبات العصر، عزوف لبنان عن وضع تقنين للأحوال الشخصية بحيث لا يترك الأمر لاجتهادات القضاء الشرعي التي غالباً ما تجنح نحو استعمال الأفكار المحافظة للفقه القديم. وكما تقول أوغاريت يونان• "إنه حق مكرس قانوناً منذ 82 سنة". فالقانون المدني للأحوال الشخصية ليس أمراً طارئاً في مسيرة الدولة اللبنانية، بل يعود إلى بداية نشوئها. والمناداة به تعود أصلاً إلى ما قبل ولادة الدستور عام 1926، إنه حق وليس وجهة نظر أو مجرد رأي، وليس مطلباً بحاجة للاعتراف أو الإقرار به. إنه حق معترف به رسمياً في القانون اللبناني منذ 1936، فكيف نسأل أساساً لماذا نريده؟

إنه قانون مؤجل قسراً منذ 82 عاماً. وقد بيّن الأستاذ طلال الحسيني أن القرار60 ل.ر بتاريخ 13/3/ 1936شرع الحق بالزواج المدني، ولأسباب طائفية وسياسية معروفة وضعت العراقيل أمام تطبيقه الطبيعي.

فهل يعقل مثلاً أن يكون مسموحاً به في الخارج وممنوعاً في الداخل؟

لكن لبنان بلد العجائب. فالمرأة لا تستطيع منح جنسيتها لأولادها وزوجها، وآلاف الأجانب يتم تجنيسهم كلما سنحت الفرصة.

وعندما تسأل لماذا، ترتفع رايات التوازن الديمغرافي الطائفي.

لقد أن الآوان لإعلان "حالة طوارئ" للعائلة في لبنان. فالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية يؤكد على العلاقة بين الحقوق المتصلة بالحياة الخاصة والحقوق المتصلة بالحياة العامة، والعديد من التعليقات التي أيدتها اللجنة المعنية بحقوق الإنسان المنشأة بمقتضى العهد الدولي تتعلق بانتهاكات مبادئ الحرية والمساواة في ما يتصل بقانون الأحوال الشخصية.

ولبنان الذي أبرم الاتفاقية الدولية الخاصة بإلغاء جميع اشكال التمييز ضد المرأة ملزم أمام مواطنيه أولاً وأمام المراجع الدولية بإجراء التعديلات اللازمة على تشريعاته المحلية. وهي مسؤولية ليست اختياراً ولا استنساباً. إنها حق وليس منة. وعلى النساء العمل من أجل استرداده.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard