الحرية لرزان زيتونة

11 كانون الأول 2013 | 14:47

لم تكن رزان زيتونة توثّق الحدث السوري فحسب، بل كانت تعيشه، وتمضي أيامها في ثورته. أصرّت على هذه الأفعال، التي من خلالها، استمرت في عملها، صامدةً في الداخل مع رفاقها سميرة خليل ووائل حمادة وناظم حمادي، وباقي المقاومين السوريين. الإثنين الماضي، اختُطف هؤلاء في "منطقة محررة" بالإسم، لكن، يحتلها في الواقع، "جيش الإسلام"، الذي يقوده زهران علوش. ذاك، أن رزان زيتونة ورفاقها يزعجون هذا البعث الجديد، ويكشفون عن انتهاكاته، كما أنهم يتحدونه باختلافهم، ومثابرتهم، ودفاعهم عن ثورة ٍمتواصلة ٍرغماً عن الجميع. لهذا السبب، عمد الخاطفون إلى إخفائهم، وجرّهم إلى الغياب، معتقدين أنهم يعاقبوننا لأننا نحب رزان، ورفاقها، مثلما، نحب الثورة، وثوارها.

كانت رزان زيتونة تعيش الثورة. "لست في مهمة هنا... أنا أعيش!"، تقول في إحدى مقابلاتها. لقد أدركت أن ما تسعى إلى ممارسته، من تنسيق وثوثيق وإعانة، يتعلق بإرادة عيشها، وببقائها حيةً، حتى لو حصل ذلك عبر غيابها. فالإختطاف، الذي تعرضت له، هو جزء من العيش الثوري، ولا سيما أنها، في أحد الأيام، كتبت أن "كل شيء أصبح ممكناً، وأن السبيل الوحيد لمواجهته ولو نسبياً، هو في الاستعداد له".

لا شك أن الكثير من الضربات تنزل على جسد الثورة، وأن كدماتها تدمغ، وبعضها لن يزول ربما. على رغم ذلك، من الضروري القول إن العيش في الثورة يرادف الإستعداد للتوقف عنه. ولأن المخطوفين كان يعيشون، فهم كانوا يستعدون للخطر في كل وقت، من دون الإذعان للتهديدات، أو الذعر منها، بل بمواصلة عيشهم. فلم ينل الخاطفون من رزان زيتونة ورفاقها، كما ظنوا وحاولوا، لأن هؤلاء المقاومين استعدوا للأخطار، ولم يخافوا، بل شعروا، مثل رزان، بالمرارة. من هذه الناحية، من الممكن توقّع الرسالة، التي قد يوجهها المخطوفون: "لا تحزنوا، استعدوا!". إذ أكدت رزان في مقالتها الأخيرة أن "لا وقت للكثير من الحزن"، كما لو أنها توثّق فرحها، وتوصينا به.

نحن، يا رزان وسميرة ووائل وناظم، لن نحزن، لأن لا وقت ثورياً لللحزن، ولأننا نفرح بحريتكم.

لقد كتبت رزان ثورياً، ولم يكن للنظام أيّ منفذ داخل مقالاتها. إذ لم تسمح له بالقبض على جملتها، أو مضمونها، الذي بدا كأنه يتصدى لكل عنف أو انغلاق. فعندما وثّقت رزان زيتونة مجزرة الكيميائي، قاومت القسوة بنوم الأطفال، وأنهت مقالتها بمحادثة حبية، على رغم أن "العالم قذر ومتوحش". أما حين تحدثت عن الطريق، فجاورت بين الحزن على الراحلين، والفرح بانفراج السبل نحو الحرية. بذلك، كانت رزان تقول الحقيقة، لا تخفيها، أو تخطف بعض معانيها. ذاك، أنها دافعت عنها، وسجّلتها بأسلوب رشيق، لا يقفله غضب، أو يشوبه إحباط، و"هذا أقصى ما يمكن أن نفعله".

بعد ذلك، لا داعي للرد على ما يذهب إليه البعض، بفعل خسته، رامياً مسؤولية الإختطاف على كواهل المخطوفين، معتقداً أن "صمتهم" أمام التطرف الإسلامي، قد أدى إلى انقلاب الأصوليين عليهم، واعتقالهم. لا داعي للرد على هذه المقولة البعثية، التي لا يقف أصحابها إلى جانب النظام الأسدي فحسب، بل في صفوف "داعش" و"جبهة النصرة" أيضاً، حتى لو حُلقت اللحية، واختلف اللباس، وتغيرت الأمكنة. ذاك، أن رزان ورفاقها، الذين يخوضون الثورة، سيظلون على هذه الحال المقاومة، في وجه كل الأسديين، البعثيين والمتطرفين وغيرهم، لأن الحرية تستحقهم، ولأنهم، بدورهم، يستحقون الثورة. فهم يرغبون في العيش، تماماً، مثلما تبدو سميرة خليل في إحدى صورها، فرحةً بأحد الأعياد، ومثلما، تظهر رزان واقفةً، خلفها البحر، الذي، يحيا وائل وناظم في مداه. إنها الحرية يا رفاق!

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard