دفاعاً عن أفروديت!

30 تشرين الثاني 2018 | 11:30

المصدر: "النهار"

  • أمل هواري
  • المصدر: "النهار"

خلال تظاهرة في سوريا بمناسبة اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة (أ ف ب).

الخامس والعشرون من شهر تشرين الثاني، كان اليوم العالمي لإنهاء العنف ضد المرأة، الذي يومئ بلونه البرتقالي الى مستقبلٍ أكثر إشراقا، وعالمٍ خالٍ من العنف ضد النساء. وهو تاريخ يشير إلى إطلاق نشاط من "ستة عشر يومًا من النضال" يختَتَم في العاشر من كانون الأول 2018 الذي يتزامن واليوم العالمي لحقوق الإنسان.

تشهد أربع رياح الارض نشاطاتٍ وتظاهرات في هذا الاطار لإضافة لمسةٍ برتقاليةٍ على عالمٍ قاتمٍ مليءٍ بالمعاناة والاضطهاد.

في لبنان، وعلى الرغم من أن الاقتراح الذي تقدم به عشرة نواب لتعديل قانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري، يعتبر أمراً لافتاً وبادرةً حسنةً، إلّا أن ذلك لا يمكن اعتباره بيت القصيد.

حتماً لن نبخس هؤلاء النواب حقّهم. فمبادرتهم، ولو أتت متأخرةً، قد تكون عاملاً مهماً في تشريع قوانين تساهم في حماية شريحةٍ من شرائح المجتمع اللبناني لا يُستهانُ بحجمها ولا بمعاناتها.

لا نغالي إذا قلنا بأنّ العنف أصبح نموذجاً عالميا متأصّلاً في كثيرٍ من المجتمعات، وفي مقدمها المجتمعات العربية عموماً واللبنانية على وجه التحديد.

الأمر ليس سرّاً، ولا يحتاج إلى بحثٍ وتفكيرٍ وتقصٍّ وتمحيص.

في نظرةٍ خاطفة على تاريخ المنطقة، تستوقفنا محطاتٌ يندى لها الجبين بما تحمله من عنفٍ وإجرام، وصولاً إلى الزمن الراهن، بما تمخضت عنه الحروب المتنقلة و"الحداثة" المقنعة بمختلف تجلياتها، وغير بعيدٍ عنها ما نشاهده يومياً عبر الشاشات من كوارث اجتماعيةٍ ومشاهد تدمي القلب بما تحمله من وقائع وأحداث وحوادث لم نكن نتخيل معايشتها في مجتمعنا. ليست أفدحها صورة رجال أمنٍ ينتزعون من امرأةٍ فلذة كبدها بسبب انفصالها عن زوجها، ولمجرّد أن ذلك نتيجة حُكمُ "ولاة الأمر".

بئس الحكم وبئس القانون والمجتمع الذي يرضى بذلك!

آفة العنف باتت تنخر ثقافتنا وعقولنا وفكر أطفالنا.

الألعاب الالكترونية مثلاً!

الأمر الذي يستدعي التوقف عنده طويلاً، ومتابعة انعكاساته وتداعياته على سلوك أطفالنا وصحتهم النفسية.

ربما تعتبر المرأة في المجتمع اللبناني أوفر حظاً من قريناتها في بقية المجتمعات العربية، من حيث قدرتها على فرض شخصيتها وحضورها وإمكاناتها في مختلف المجالات، إلّا أن البعض لا يزال يحمل لها تلك النظرة على أنها "آثمةٌ وتلعنها الملائكة"، أو أنّ دورها مقتصرٌ على طقوس الحياة الزوجية والانجاب والعناية ببيتها وزوجها وأطفالها.

هنا يكبر السؤال: أيّ رجلٍ يكون حين تكون المرأة في نظره عاهةً بشرية؟

هو سؤالٌ ينبغي لنا أن نسأله لكلّ من يفكر في الإساءة إلى المرأة، بما تمثله من دورٍ ومكانةٍ في المجتمع. قبل أن نسأل أيضا، ونحن في القرن الحادي والعشرين، أيّة مجتمعاتٍ تلك التي تبخس المرأة حقّها وتعتبرها مجرّد آلةٍ لتقديم الخدمات لمن يدّعي صفة الرجولة وهي منه براء؟!

حُكماً، لا يجوز التعميم في مثل هذه القضية.

ولكن، أن تتكرر هذه المشاهد بشكل دراماتيكي، لأمرٌ يتطلب البحث في الأسباب والمبررات خلف تلك السلوكيات، وكيفية الخلاص منها بالشكل الأمثل.

هذا أمرٌ ليس باليسير، ويتطلب وضع آليةٍ مدروسةٍ وممنهجةٍ على المدى الطويل، تعمل على تعزيز الثقافة المجتمعيّة، وتوضيح ماهيّة العلاقة الإنسانيّة بين الرجل والمرأة، بالإضافة إلى ترسيخ نمطٍ سلوكيٍّ قائمٍ على ثقافةٍ تحضّ على احترام الإنسان من أجل الإنسان، وبغضّ النظر عن جنسه ودينه ولونه وعرقه؛ ثقافةٍ تليق بالقرن الحادي والعشرين، وتعتبر المرأة شريكاً أساسياً للرجل في الحياة ضمن الأسرة والمجتمع.

غريبةٌ ظاهرة العنف، والأكثر غرابةً أنّنا اعتدنا التعايش معها، بل باتت جزءاً من نمط حياتنا اليومي.

الضجيج يملأ المدى:

أصوات الأهل تعلو كلّ صباح لإيقاظ أولادهم، صراخ سائقي السيارات ومشاداتهم واستعدادهم للانخراط في عراكٍ من أجل صراعٍ على أفضلية المرور أو أيّ سبب آخر، صراخ المعلّمين في المدارس، أصوات أرباب العمل تعلو على موظفيهم، العنف الذي نشاهده في الدراما والأفلام والأخبار وعلى الهواتف المحمولة وفي كلّ مكان. وهكذا!

دوامةٌ من التلوث السمعيّ التي ترهق الأعصاب.

لنتوقف للحظةٍ ونفكّر ملياً قبل أن نبحث عن الحلّ، ولنبدأ بأنفسنا.

قبل أن يعلو صوت الأم على ابنها، فلتفكر في تغيير هذا النهج واتباع أسلوبٍ جديدٍ أكثر لطفاً وإنسانيّة.

هذا ليس كلاماً من قبيل التنظير، وهو ليس بعيداً عن الواقع.

إنّ سرّ النهضة الاجتماعية والتغيير نحو الأفضل في أيّ مجتمعٍ، يكمن في إعادة بناء الخلية الأولى، خلية الأسرة. فإذا ما تمّ بناء الأسرة على أسسٍ سليمةٍ تعزّز الاحترام وتنمّي مكارم الأخلاق والفضيلة، فقد يكون ذلك نموذجاً يُحتذى به في المجتمع عموماً، وصولا للنهوض بالثقافة المجتمعية ككل والارتقاء إلى مصافّ الأمم المتقدمة.

الأمر ليس بتلك البساطة، فقد يحتاج أجيالاً متعاقبةً وعقوداً من الزمن. ولكن، ما المانع أن نكون نحن من يؤسّس لهذه النهضة طالما أثبتت التجربة أن الاعتماد على نظام الدولة اللبنانية والقائمين عليها غير ذي جدوى، فلماذا لا نبدأ بأنفسنا؟

قالها أمير الشعراء:

إنِّما الأُمَمُ الأخلاقُ ما بَقِيَتْ......فَإنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخلاقُهُمْ؛ ذَهَبُوا

الأخلاق هي السبيل للرفعة والتقدم والارتقاء. كي نكرّسها، لا بدّ أن نكون نحن القدوة، عندها يمكننا أن نربّي أبناءنا دونما حاجةٍ إلى الكلام، فقط من خلال تقديم المثال الطيّب والقدوة الحسنة. حينذاك، نصبح خير خلفٍ لخير سلفٍ، ونخطّ صفحةً جديدةً مشرفة ً في تاريخٍ عامرٍ بالخيبات والمثالب.

حافِظوا على أفروديت.

دافِعوا عن الجمال والحب في الأنثى.

لأن الحضارةَ أُنثى.

لأن القصيدةَ أُنثى.

ولأن قارورةَ العطر أُنثى.

وبيروت تبقى – على رغم الجراحات – أُنثى.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard