الجيش في حياتنا

28 تشرين الثاني 2018 | 08:54

الجيش اللبناني.

أتذكر جدي في صغري حين كان لا يزال جندياً. كان يختصر بهامته وضحكته والرتب المعلقة على كتفيه والأوسمة المعلقة في دار البيت كل أمان الكون.

كبرتُ وعرفتُ أن له ماضٍياً كبيراً، فهو لم يترك يوماً أرض المعركة وكان عميلاً محترفاً في شعبة الاستخبارات، وأنه نفذ أخطر المهمات وأصعبها خلال تلك الحرب المشؤومة بعد عام ١٩٧٥. كبرتُ وعرفتُ أنه بطل حقيقي، ليس في عيني كطفل بل في عيني كمواطن لبناني. تلك الشجاعة الاستثنائية التي تحلى بها جعلته مرات عديدة يستبسل في أرض المعركة، فأنقذ جرحى وحمل شهداء تحت مطر الرصاص، ولم يترك رفيق بندقية ويهرب.

لم أمُلَّ يوماً من سماع هذه الأخبار، وأنا أجلس بجانبه أنظر إلى بريق الحماسة في عينيه يسرد الرواية كأنها تحصل الآن. بدأت مغامرته من عمر ولد فُقرٍ لم تمتلك عائلته المال لترسله إلى المدرسة، فترك يوماً مزرعة والده ومهنة رعاية الأبقار والتحق بالجندية. من هناك بدأت مسيرة عشقه لخدمة وطنه، تعلم القراءة والكتابة بمفرده وشق طريقه متسلحاً بشجاعة ودهاء.

كان من الدفعة التي ذهبت إلى الأردن في مهمات التدرب على قيادة مصفحة "صلاح الدين"، وعاد من هناك قائداً لإحدى المصفحات في البر. هو الذي أصبح بعدها آمراً لفصيلة مصفحات، وفي ذلك النهار لعملية الانقلاب الفاشلة في عهد الرئيس كميل شمعون، أُوكلت إليه مهمة تأمين طريق الجنوب، ومنع الإنقلابيين من العبور إلى بيروت بأي ثمن. ومهمات كثيرة سرية من واقع الأحداث المأسوية التي عصفت بلبنان. أذكر واحدة منها، حيث اختبأ لمدة يومين مموهاً بين النفايات ينقل تحركات العدو دون طعام أو شراب.

كبرتُ أكثر لأعلم أنه لم يغادر الجيش بارادته، بل أُجبر على ذلك بعد أن بلغ السن القانونية، وعلمت أكثر من ذلك...عرفت أن أبي الذي أراه يسير ببطء ويؤلمه جسده باستمرار كان مارداً في شبابه، وكان عسكرياً مثل أبيه. أصيب أبي ثلاث مرات في خلال سنة واحدة. وكان في كل مرة يعود إلى الجبهة غير آبه حتى أتته تلك الرصاصة غادرة وخاطفة، وكادت تودي بحياته وهو في الثالثة والعشرين من عمره. يوم كان ابي يسلم فرقته للضابط المناوب ويرشده إلى مواقع القنص سقط مضرجاً بدمائه، ورفض المستشفى أن يستقبله نظراً لعدم وجود أمكنة. يومها وجه زميله مدفعاً إلى واجهة المستشفى وأقسم على قصفها إذا لم يُستقبل أبي. لم يعتقد أحد أنه سينجو من تلك الإصابة القاتلة، ولكنه نجا بأعجوبة. يخبر جدي كل هذا وإحساسه ممزوج بين الفخر والحزن. لم يكن حزنه لأن ولده كاد يستشهد، فهذا في صلب العقيدة والقناعة، كان حزيناً لأن أبي لم يُمنح حتى وسام الجرحى بعد تضحيته، بل إن رفيقة قد سرق أغراضه ظناً منه أنه مات.

جدي نفسه، وبعد أن أجبر على مغادرة الجيش، تطوّع في خدمة أهل قريته، وكان فاعلاً في عدة مشاريع انمائية حتى أتت الانتخابات الاختيارية عام ١٩٩٨، ففاز بالتزكية. كبر في السن وكبرت أنا مشبعا بعقيدة الجيش. بفخر كان يتحدث عني وأنا الذي يحمل إسمه والبكر بين جميع أحفاده. أرادني بكل ما أوتي من قوة وأمل أن ألتحق بالكلية الحربية. وجدت نفسي وبرغم حبي الجنوني للبذة العسكرية وارتدائي الدائم في حياتي اليومية لملابس العسكر، أرفض له هذا الطلب. بسبب إحساس غريب غير منطقي، مزقت في ذلك المساء من صيف ٢٠٠٨ استمارة الالتحاق ومعها آمال جدي.

كبر جدي أكثر وتأمل أن يحقق له أخي الأصغر هذه الأمنية ويعلق نجمة السماء على كتفيه. بدوره عزف شقيقي عن تحقيق أمنيته، والتحق بكلية الهندسة في الجامعة الأميركية. وحزمت أنا حقيبة الهجرة بعد تخرّجي. غادرت أنا نظاماً لا يقدر مثقفيه كما جيشه، نظاماً باع ساسته شعبه في كل مزاد ومناسبة، نظاماً تخاذل قادته من الأزل وعقدوا الصفقات على حساب أبطال جيشهم وتضحياتهم.

مرض جدي بعد أشهر من سفري، وفي كل مرة زرت فيها لبنان كان هو إدماني. كان الجلوس إلى جانبه لساعات كل أولوياتي، وأنا الذي لا أعرف إذا كانت هذه المرة الأخيرة التي أراه فيها. تنقلت كثيراً بين الخليج وأوروبا والشرق الأقصى وتعرفت إلى أناس كثر دون أن تتغير صورة جدي في نظري، بل ازدادت عظمته عندي. هو الجيش اللبناني والوطن وصوت الحق والأمان.

مات جدي بعد سنتين من هجرتي، زرته في المستشفى عدة مرات قبل الوداع الأخير. مات هو وظل الجيش وظل حياً في عيني كل جندي وضابط. كلما دق النفير رأيته ''رايح مع العسكر'' ليقاتل ويحمي الدار. كلما سقط جريح وشهيد سمعت صراخ جدتي وبكاءها في تذكرها لشقيقيها الشهيدين والسنتين اللتين قضتهما إلى جانب والدي أثناء علاجه ليعود ويمشي من جديد. هي أيضاً رحلت بعد أشهر من رحيل زوجها. إنها الأم الصبورة التي ضحت ودفعت بأولادها للدفاع عن الوطن، والزوجة الصالحة التي راعت ظروف زوجها وتفهمتها. هي قبل كل شيء الأخت التي خسرت رفاق طفولتها على مذبح العسكرية يوم اغتيل خليل أمام منزله ولم يحاسب الجاني ومن قبله قتل محسن على حاجز يوم انقسم الجيش عشية الحرب.

جدي وجدتي يمثلان هذا الوطن بآبائه وأمهاته كما ابي وأمي وعمي وزوجة عمي وجارنا وزوجته وكل رفاق السلاح وعائلاتهم. رفاق جدي وأبي وأبناء قريتي سرعين التحتا التي عقدت قراناً أبدياً سرمدياً مع مؤسسة الشرف وبلدات كثيرة تشبهها في البقاع والشمال والجنوب. كل هذه البلدات والمناطق بصغرها وكبرها تقول: ما دام الليل والنهار، ما دام دم في عروقنا سيبقى الجيش اللبناني شاء من شاء وأبى من أبى. هو ليس من الشعب، إن الشعب بذاته، إنه قضية معاناتنا وحاجتنا إلى الأمان.

أحباؤنا رحلوا كما رحل الشهداء وكثيرون من البيئة الحاضنة المكونة لهذا الجيش. وبقيت أنا وأنت وأنتم ونحن كثر يجري في شرايين دمنا عشق إستثنائي لهذه المؤسسة. رغم بعدنا وغربة بعضنا، ورغم كل أوساخ السياسة التي تعبث أحياناً بصورة الجيش: ''نحبكم يا جنود لبنان. أنتم نحن ونحن أنتم وبدونكم لا معنى لحياتنا في هذا الوطن. من دونكم لا وطن، فبربّكم لا تستسلموا ولا تتركونا.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard