قراءة في قاموس السياسة اللبنانية خلال 180 يوماً

27 تشرين الثاني 2018 | 10:10

المصدر: "النهار"

الرؤساء الثلاثة (دالاتي ونهرا).

"صُمِّمَت اللغة السياسية - يصحّ هذا على أطياف الأحزاب السياسية كافةً - لجعل الأكاذيب تبدو حقيقة، والجريمة محترمة، ولإعطاء مظهر من الصلابة للريح المجردة" (جورج أورويل)

تكفي متابعة 180 يوماً من الثرثرات والزجليات السياسية منذ شهر أيار الماضي، يوم استقالت الحكومة وتمَّ تكليف الرئيس سعد الحريري تأليف حكومة جديدة، لوضع قاموس عبر رصد المفردات والمصطلحات السياسية التّي تداولها أفراد الطبقة السياسية الحاكمة طوال هذه المدّة المقتطعة من أعصاب اللبنانيين وأعمارهم:

عقدة مسيحية، عقدة درزية، عقد سنّية، سنّة 8 آذار، اللقاء التشاوري، حصة، حقيبة، مقعد، معيار، وزارة، سيادية، خدماتية، وازنة، غير وازنة، فُتات، طائفة، مذهب، مُكوِّنات، تحالف، معارضة، الفريق الآخر، توزير، تمثيل، تكليف، تأليف، بأسرع وقت، تنزيل، أحجام، ولادة، تشكيلة، إنتظار، تصعيد، تعطيل، تأجيل، تجميد، إحراج، إخراج، إعتكاف، إعتذار، تواضع، تنازل، تضحية، مربع أول، معركة، كباش، جدار مسدود، نقطة الصفر، عرقلة، مراوحة، مماطلة، إبتزاز، إفتعال، إلغاء، إقصاء، تهميش، إصطفاف، توازن، هزيمة، مقايضة، تقاسم، إفلاس، إنهيار، إنتحار، حافة، شفير، هاوية، إنتصار، محاصصة، شد حبال، يوم القيامة، "أم الصبي"، "بيّ الكلّ"، "بيّ السنّة"، "أوعا خيّك"، لبنان القوي، الجمهورية القوية، أحادية، ثنائية، مثالثة، مؤتمر تأسيسي، ثلث معطل، صلاحيات، ممانعة، عقبات، داخلية، خارجية، إقليمية، إيران، السعودية، سوريا، أميركا، مسلمون، مسيحيون، موارنة، أرثوذكس، سنّة، شيعة، دروز، ساحة، كرة، ملعب، فراغ...

كلّها مفردات تدافع عمّا لا يُدافَع عنه، ولا يستطيع أي كاتب أو محلّل مهما علا شأنه أن يركّب منها جملة مفيدة تعود بالنفع على لبنان واللبنانيين، دولة وشعباً ومؤسسات. مفردات يابسة، جوفاء، هجينة، ومفعمة بالكراهية والبغضاء، وعقد الماضي، وروح الثأر والانتقام، وشهوة إلغاء كل إختلاف وتنوّع، تفتقر الى الحياء، وقد حوّلت صباحات اللبنانيين ومساءاتهم الى أيام عجاف ومساحات من التوتر والقلق والقرف والضجر والخوف من الغد الآتي.

إنّه قاموس غريب عجيب لا يؤسس للغة وطنية مشتركة، يتحدث أصحابه عن التضحية والتنازل والتواضع، وهم يديرون ظهورهم لهموم الناس وتطلعاتهم، بحيث أضحى شعار الوحدة الوطنية والاتحاد الوطني نكتة هزيلة. فإنحطاط اللغة مرتبط بإنحطاط الفكر.

قاموس غريب عجيب، لا علاقة لمفرداته بما يعاني منه اللبنانيون صغاراً وكباراً، نساء ورجالاً، إذ هناك هوّة سحيقة بين الناطقين بإسم الطوائف والمذاهب والكتلة البشريّة التي تتشكل منها هذه الطوائف، هوّة سحيقة تفصل بين مفردات أهل السياسة ومفردات عامة اللبنانيين التي تدور حول:

ماء، مجارير، فيضانات، طرق، كهرباء، تقنين، مولدات، نفايات، محارق، مطامر، مكبات، تلوث، ديون، فواتير، غلاء، إحتكار، أسعار، معيشة، بطالة، هجرة، نزوح، معاشات، خبز، كتاب، دواء، أقساط، إسكان، الليرة، دولار، أمراض، سرطان، مخدرات، إنتحار، صفقات، عمولات، هدر، فساد، سمسرة، رشاوى، إفلاس، ضائقة، عنف، أزمات...

وسط هذين الضخب والضجيج، هناك مفردات تأسيسية مهدّدة بالضياع والإندثار إذا لم يتمّ إحتضانها ولم تجد من يحملها:

دستور، دولة، قانون، مؤسسات، هوية، مساءلة، محاسبة، مشاركة، كفاءة، نزاهة، شفافية، حقوق، واجبات، عدالة، مساواة، سيادة، إستقلال، إزدهار، تنمية، تجديد، تطوير، حريّة، إستقرار، طمأنينة، إنتماء، تعدد، تحرّر، إستقلالية، مواطنة، تنقية ذاكرة، علمنة، حوار، لاعنف، سلام، إنسجام، تضامن، ثقة، إعتراض، تخطيط، إستراتيجيا...

هذه المفردات بمدلولاتها، قابلة لأن تُصاغ منها لغة سياسية مشتركة جديدة لمواجهة بداوة اللغة السياسية السائدة، لكنّها بحاجة الى جسم سياسي مدنّي وطنّي رؤياوي موحد عابر للطوائف والمذاهب والتجمعات الحزبية والقبلية، لأنّ التدهور الحاصل في إهتمامات الطبقة السياسية وفي لغتها، يعود الى تردّي، لا بل الى إنحدار السلّم القيمي أخلاقياً وسياسياً ووطنياً، والى تردي التواصل بسبب الجزر المذهبية والحزبية المقفلة. كما أنّ تبديد الوقت في السجالات المملة وفي التقاتل على إقتسام الثوب اللبناني يعود الى تسفيه أولويات اللبنانيين وإستغبائهم، وما يجري بإسم السياسة إضافة الى تداعياته الاقتصادية الخطيرة، ف ينذر بتداعيات أخلاقية، وربما أمنية أشد خطورة، والأدهى من ذلك كله، تبعية الناس وإستسلامهم لمصائرهم وتأليه القابضين على مقدراتهم.

لكن، سواء تألفت الحكومة أم لم تتألف، فإنّ إستمرار هذه الذهنية في إدارة شؤون البلاد لا ينبئ يإيجاد مخارج وحلول للمعضلات اللبنانية المزمنة.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard