من يوميات اختصاصية اجتماعية

19 تشرين الثاني 2018 | 14:47

يوميات متقلّبة (تعبيرية).

تتعالى الأصوات المحذّرة من السقوط المدوّي للدولة اللبنانيّة اقتصاديّاً وسياسيّاً، بل وحتى اجتماعيّاً.

كثيرةٌ هي الأزمات الصارخة التي تعتري مجتمعنا اللبنانيّ الآيل إلى السقوط، وليس آخرها ظهور الطائفة التاسعة عشرة "طائفة المنبوذين". نسبةٌ لا بأس بها من أبناء الشعب اللبنانيّ باتوا ضيوفَ شرفٍ على هذه الطائفة التي تشكّلت من رحم القهر والمعاناة والازدراء، فمن يبالي بكلّ أطياف الشعب اللبنانيّ حتى يكترث لهؤلاء، في ظلّ ظروفٍ حياتيّةٍ أصبح الموت بالنسبة إلى بعض من يعيشها أقلّ شؤماً وألماً!؟

لم يخطر في بالي أنّ رحلةً في وسيلة نقلٍ عام (فان) ستبعث فيَّ الحياة وتبثّ الروح في قلمي وتستحثّ كلماتي لتصدح بما ملأ صدري في صباح ذلك اليوم.

مذهلٌ ما يمكن أن يشعر به المرء ويعيشه ويعاينه من تجارب إنسانيةٍ واجتماعيةٍ لمجرّد الانوجاد مع آخرين في المكان نفسه ولمدةٍ لا تتجاوز ساعةً من الزمن.

بمجرد صعودي الى الحافلة، حاولتُ أن أشيح ببصري عن كلّ ما يحيط بي، لأنتهز الفرصة وأجمع شتات أفكاري، علّي أستطيع قراءة كتابٍ كان بحوزتي. عبثاً فعلت.

كنت أعتقد أنّ القدرة على القيام بمهماتٍ عدة في آنٍ واحد، هو حكرٌ على المرأة كما يزعم كثيرون، إلّا أنّ سائق "الفان" دحض هذا الاقتناع. فهو كان يمسك المقود بيد، وفنجان القهوة وسيجارةً بيد، وقد أسند هاتفه إلى كتفه فيما راح يتابع مشادّة كلامية مع أحدٍ ما. من دون أن أغفل عن سرعة انتباهه لأيّ راكب محتمل قد يصادفه في طريقه ليتوقّف بشكلٍ مفاجئٍ وعنيف خشية أن "يسرقه" "فانٌ" آخر!

ما إن أنهى السائق اتصاله المطوّل، حتى احتدم النقاش بينه وبين الشاب الجالس بجانبه، بشاربيه المفتولين، وأظفاره الطويلة، وسيجارةٍ لا تنطفئ، دون إغفال وشم "القلب" الظاهر على رسغه، الذي ببساطته، يبدو كأنّما رسمته يد طفلٍ على عجل.

كان واضحاَ أنّه نقاشٌ اعتياديٌّ حول العمل ومصاعب الحياة، إلّا أنّ السّمة الغالبة عليه كانت الصراخ والشتائم المتكرّرة.

رنّ هاتف السائق مجدداً. فجأةً، تحول بقدرة قادرٍ إلى شخصٍ مختلفٍ كليّاً. انخفضت نبرة صوته، وتحدث بمنتهى اللطف والرقّة والحنان. يبدو أنّ مجرد سماع صوت ابنته يأخذه بعيداً عن واقعه لتطغى الأبوّة والعطف على صلفه وعنجهيّته!

ما إن تنتهي المكالمة حتى يعود إلى سيرته الأولى كأنّ شيئاً لم يكن.

بجانبي جلس شابٌ ثلاثينيّ، لم يرق له دخان السيجارة الذي كانت تنفثه سيدةٌ يزيد عمرها على السبعين، فطلب منها بلطفٍ أن تطفئها، فأجابته باستغرابٍ وذهول: "ليش لأطفيها". استمرت في نفث الدخان حتى آخر رمق. عندما وصلت الى وجهتها اكتفت بدفع نصف الأجرة وأصرّت على أنّها لن تدفع أكثر من 1000 ليرة ليعلو صراخ السائق ومرافقه ثم يمزّق الورقة النقدية ردّاً على ذلك التصرف، ويعاود الانطلاق بسرعة جنونيّة.

في الجهة المقابلة، فتاةٌ جميلةٌ في مقتبل العمر، أغلب الظنّ أنها طالبةٌ جامعيّة، تحمل حقيبةً كبيرةً فيها بعض الكتب، تظهر منها وردةٌ حمراء، كانت تقوم بفتح الحقيبة وتفقّد الوردة مراراً وتكراراً، تعلو وجهها ابتسامةٌ متعبة. كانت تنظر إلى تلك الوردة كأنّها ملاذها الأخير، فكلما ذبلت ابتسامتها عادت تسترق النظر إلى وردتها وتشمّ رائحتها بشغفٍ يعيد رسم بسمة الأمل على شفتيها في مشهدٍ غايةٍ في الروعة.

في كلّ تفصيلٍ صغيرٍ رأيته في تلك الساعة، تناهت إلى مخيلتي قصّةٌ فريدةٌ ترسم بعض ملامح الحياة في مجتمعنا وتستفزّ المخيلة لسبر أغوار هذا المجتمع والبحث في معاناته التي لا تنتهي.

إنّها قصة حياة، وما أكثر العبر التي يمكن أن نستخلصها من كلّ تجربةٍ نعيشها وموقفٍ نمرّ به. يبقى حلمنا الأغلى أن نعيش في وطنٍ يسوده العدل والرأفة والمساواة بعيداً عن لوثاتٍ ابتُلينا بها دونما ذنب.

كوسا، لبن وطحينة ... طبق يحضر بِدقيقة!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard