كيف تنعكس الانتخابات النصفيّة على العلاقات الأميركيّة- الروسيّة؟

9 تشرين الثاني 2018 | 17:38

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأميركي دونالد ترامب في قمة هلسينكي - "أ ف ب"

"يمكننا اقتراح بدرجة عالية من الثقة أنّه بالطبع لا وجود لتوقعات ورديّة بتطبيع العلاقات الروسيّة الأميركيّة في الأفق". من حيث المبدأ، لم يكن تعليق الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف بعيداً عمّا هو متوقّع بالنسبة إلى العلاقات الثنائيّة بعد وصول الديموقراطيّين إلى المجلس النيابيّ. هذا بالنسبة إلى إمكانيّة تحسّن العلاقات الثنائيّة. 

أمّا بالنسبة إلى احتمال أن تشهد مزيداً من التوتّر، فبإمكان كلام بيسكوف الذي زاوج بين السخرية والواقع أن يعطي توصيفاً دقيقاً أيضاً لهذا الاحتمال. فهو شرح أنّ العلاقات لن تتعقّد أكثر لأنّها تعيش أصلاً في أقصى مراحل تعقيداتها. تلخّص هذه الرؤية إدراكاً لدى الكرملين بأنّ وصول الديموقراطيّين إلى المجلس النيابيّ لن يؤثّر كثيراً على مسار العلاقات السيّئة، وفي هذا الإدراك الكثير ممّا يبرّره.

نتائج عكسيّة

ربّما صبّ الروس تفاؤلهم على قمّة هلسينكي في 16 تمّوز بين الرئيسين دونالد #ترامب وفلاديمير #بوتين. لكنّ تلك القمّة ولّدت نتائج عسكيّة مع غضب ديموقراطيّ وإلى حدّ ما جمهوريّ من أداء ترامب أمام نظيره الروسيّ. وبالتالي، بات الكونغرس أكثر يقظة تجاه أيّ خطوة انفتاحيّة أمكن للإدارة الحاليّة أن تتّخذها. بعد حوالي شهر على الاجتماع التاريخيّ في فنلندا، فرضت الإدارة عقوبات هي الأقسى على #موسكو منذ مجيء ترامب إلى البيت الأبيض، بسبب تسميم #سالزبوري. ويوم الثلاثاء الماضي، أعلنت وزارة الخارجيّة الأميركيّة أنّ #روسيا لم تمتثل للشروط التي وضعتها الولايات المتّحدة بعد تسميم الجاسوس السابق وستفرض عليها بالتالي عقوبات جديدة. في هذا الوقت، حذّر مساعد وزير الخارجيّة الأميركيّ دايفد تيسلر الثلاثاء بروكسيل من تخفيف العقوبات على موسكو لأنّها تمثّل "تهديداً يتعاظم على الدوام".

إن لم تكن الخلافات حول التسميم بغاز الأعصاب كافية لتوتير العلاقات الثنائيّة فإنّ إعلان ترامب إمكانيّة انسحاب بلاده من معاهدة القوى النوويّة المتوسّطة المدى، شكّل دليلاً إضافيّاً على أنّه ما عاد بالإمكان كبح تدهور العلاقات الثنائيّة بسهولة. علّل الرئيس الأميركيّ قراره بأنّ روسيا تخرق المعاهدة. لم يكن ما ذكره ترامب تصريحاً جديداً إذ سبق لإدارة باراك أوباما أن أشارت إلى هذا الموضوع في أواخر كانون الأوّل 2014. لكنّ الفرق تجلّى في أنّ ترامب أخذ المبادرة في الردّ على الخطوة الروسيّة على الرغم من احتمال إطلاقها تداعيات شتّى.

لم تكن نقاط التوتّر هذه مرتبطة بالانتخابات النصفيّة أو بانتزاع الديموقراطيّين للمجلس النيابيّ من خصومهم الجمهوريّين. في الأساس، لا يملك جميع الديموقراطيّين سياسة خارجيّة موحّدة. فمنهم من يتمتّع بميول حمائيّة مع نيّة بتوجيه أسئلة إلى وزير الدفاع جايمس ماتيس لازدياد عدد القوّات الأميركيّة في بعض الدول. وبالرغم من ذلك، يبقى عدد من الأسباب التي تدفع للاعتقاد بأنّ الفوز الديموقراطيّ سيترك بصماته على العلاقات الثنائيّة. النائب إليوت إنغل سيترأس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب ومن جملة ما سيعمل عليه سنّ قوانين لتعزيز العقوبات على أي متدخّلين في الانتخابات الأميركيّة في المستقبل من بينهم روسيا. كذلك، سيتمّ عقد مزيد من جلسات الاستماع حول هذا الموضوع.

قمّة ثانية؟

يرى البعض أنّ روسيا "غير مسرورة" بسبب استعادة الديموقراطيّين لمجلس النوّاب، خصوصاً أنّهم وعدوا بإجراء رقابة أكبر على السياسية الخارجيّة لترامب. لكنّ رقابة أكبر لا تعني تقييداً للرئيس الأميركيّ الذي لا يزال يتمتّع بصلاحيّات واسعة في صياغة سياسته الخارجيّة. يضاف إلى ذلك أنّ الأخير لا يزال يحتفظ بمجلس الشيوخ الأمر الذي يحصّنه إلى حدّ بعيد من أيّ إمكانيّة للعزل، في حال توسّع الديموقراطيّون في التحقيقات بشأن احتمال تواطئه مع الروس وقرّروا توجيه الاتّهام إليه. لكنّ كلّ هذه الوقائع لا تنفي أنّ روسيا قد لا تكون سعيدة فعلاً بما حصل. فالتأثير الديموقراطيّ لا ينحصر فقط في الغالبيّة التي حصدها الحزب في المجلس النيابي أو حتى في السلطات الممنوحة إليه دستوريّاً إزاء السياستين الداخليّة والخارجيّة للرئيس الأميركيّ. إنّ الواقع الجديد الذي استطاع الديموقراطيّون فرضه، وإن يكن أقلّ من آمالهم، قادر على أن يعدّل سياسات ترامب في بعض الجزئيّات، منها ما يتعلّق بخطواته المقبلة نحو روسيا.

بالنسبة إلى المحلّل العسكريّ المقيم في سانت بطرسبرغ أركادي سافيدسكي، إنّ رئيس مجلس النوّاب الأميركيّ يتمتّع ب "موقع مهمّ جدّاً سيُستخدم من أجل الترويج لأجندة الحزب الديموقراطيّ". وكتب في موقع "الثقافة الاستراتيجيّة" أنّ إصرار الحزب على الحديث عن "فضيحة مع روسيا" سيجبر الرئيس الأميركيّ على تبنّي موقف أكثر تشدّداً تجاه موسكو. وهذا سيضع قمّة ثانية بين بوتين وترامب موضع تشكيك على الأقل في الفترة التي تسبق شهر تشرين الثاني سنة 2020 وهو موعد الانتخابات الرئاسيّة المقبلة. حتى في ما يتعلّق بالمفاوضات لحلّ الخلافات حول مسألة حظر انتشار الأسلحة، سيؤدّي فوز الديموقراطيّين إلى تخفيض احتمالات تحقيق أيّ تقدّم في هذا الميدان.

عقوبات ... ثمّ عقوبات

بالكاد مرّت أيّام قليلة على تهديد وزارة الخارجيّة الأميركيّة بفرض عقوبات جديدة بسبب تسميم سكريبال، حتى فرضت واشنطن اليوم عقوبات تستهدف ثلاثة أشخاص وتسعة كيانات على خلفيّة ضمّ روسيا شبه جزيرة القرم وانتهاكات لحقوق الإنسان في مناطق تسيطر عليها شرق أوكرانيا. من المستبعد أن تكون هذه الخطوة تموضعاً جديداً لترامب تفادياً لضغوط ديموقراطيّة محتملة داخل مجلس النوّاب، بل هي تعبير عن مسار جديد بدأ يتوضّح خلال الأشهر القليلة الماضية. لذلك، سيظلّ تأثير الديموقراطيّين على سياسة ترامب تجاه الروس غير واضحة تماماً طالما أنّ الإجراءات الأميركيّة ضدّ موسكو لم تتوقّف مؤخّراً – قبل الانتخابات وبعدها. ما سيؤثّر فيه فوز ديموقراطيّ على الأرجح هو تقليص الفرص، الضئيلة أصلاً، في تحسّن العلاقة بين الطرفين.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard