بنك عوده: "أهمية عناصر المناعة النقدية في ظل اقتصاد حقيقي واهن"

7 تشرين الثاني 2018 | 16:23

المصدر: "النهار"

  • المصدر: "النهار"

شهد الاقتصاد اللبناني مزيداً من التباطؤ في النمو هذا العام، بحيث اتخذت معظم مؤشرات القطاع الحقيقي منحىً تنازلياً خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2018 بالمقارنة مع الفترة المماثلة من العام السابق. ويرتبط هذا التباطؤ المستمر في النمو الاقتصادي بحالة من الترقب والتريث تشوب أوساط مستثمري القطاع الخاص الذين يتردّدون في الاستثمار في القطاعات الاقتصادية المختلفة في لبنان، علماً أن الاستهلاك الخاص لا يزال يسجل نمواً معتدلاً هذا العام في حين وفّر نمو الإنفاق الحكومي دعماً طفيفاً للنمو الاقتصادي في البلاد.

فمن أصل 11 مؤشر للقطاع الحقيقي، ارتفعت 5 مؤشرات بينما تراجعت 6 مؤشرات خلال الأشهر التسعة الأولى الأول من العام 2018 بالمقارنة مع الفترة المماثلة من العام السابق. ومن بين المؤشّرات التي سجّلت نمواً إيجابياً نذكر عدد المسافرين عبر مطار بيروت الذي سجل نمواً بنسبة 7.1%، والواردات (+4.7%)، والصادرات (+4.3%)، وعدد السياح (+3.9%)، وإنتاج الكهرباء (+1.5%). ومن المؤشرات التي سجلت نسب نمو سلبية نذكر مساحة رخص البناء الممنوحة (-23.0%)، وقيمة المبيعات العقارية (-16.8%)، وحجم البضائع في المرفأ (-7.1%)، وعدد مبيعات السيارات الجديدة (-6.6%)، وتسليمات الإسمنت (-4.7%)، وقيمة الشيكات المتقاصة (-1.2%).

وكانعكاس لوهن أوضاع القطاع الحقيقي، فإن المؤشر الاقتصادي العام الصادر عن مصرف لبنان قد بلغ 309.2 في المتوسط خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام 2018، أي بنمو نسبته 1.8% بالمقارنة مع الفترة المماثلة من العام 2017. ويمثل هذا النمو في المؤشر الاقتصادي العام تباطؤاً نسبياً بالمقارنة مع متوسط نمو الفترة نفسها من السنوات الخمس الماضية (3.4%)، مما يدلّ على أن القطاع الحقيقي يسجل وهناً إضافياً هذا العام.

في هذا السياق، عدّل صندوق النقد الدولي من توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في لبنان للعام 2018 وذلك من 1.5% وفق توقعات آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في شهر نيسان من هذا العام إلى 1% وفق توقعاته الأخيرة الصادرة في شهر تشرين الأول المنصرم. في موازاة ذلك، يتوقع الصندوق أن يسجل النمو الاقتصادي الحقيقي 1.4% في العام 2019 ومتوسط نسبته 2.3% خلال السنوات الخمس القادمة. تجدر الإشارة إلى أن مصرف يتوقع نمواً اقتصادياً بنسبة 2% في العام 2018، وذلك من نمو مقدّر بنسبة 2.5% في العام 2017.

في موازاة ذلك، فإن القطاع المصرفي، وعلى الرغم من التباطؤ المسجل في نمو نشاطه، لا يزال يظهر مناعةً ملحوظة إزاء أوضاع الاقتصاد الحقيقي الصعبة نسبياً. فالقطاع المصرفي المحلي لا يزال يسجل نمواً مقبولاً، بحيث نمت الودائع المصرفية بقيمة 5.3 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام 2018، أي بزيادة سنوية نسبتها 4.2٪، وهي تعدّ كافية لتمويل الاحتياجات التمويلية للاقتصاد الوطني بشقيه العام والخاص. أما التسليفات المصرفية الممنوحة للقطاع الخاص فقد تقلّصت بقيمة 0.3 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2018 في سياق ندرة الفرص التسليفية في اقتصاد محلي بطيء بشكل عام.

إن الوهن الاقتصادي العام خلال الأشهر التسعة الأولى من العام ترافق مع تطورات سلبية في أسواق الرساميل. فعلى صعيد سوق الأسهم، انخفضت أسعار الأسهم المدرجة في بورصة بيروت بنسبة 14.0% في الأشهر التسعة الأولى من العام 2018 في ظل انخفاض القيمة الإجمالية لعمليات التداول بنسبة 52.5% على أساس سنوي. أما على صعيد سوق سندات الدين، فإن هوامش مقايضة المخاطر الائتمانية من فئة خمس سنوات قد اتسعت من 521 نقطة أساس في نهاية العام 2017 إلى 673 نقطة أساس في نهاية أيلول 2018، أي باتساع مقداره 152 نقطة أساس، مما يعكس تردياً في نظرة الأسواق للمخاطر السيادية بشكل عام.

الخلاصة: تباطؤ النشاط الاقتصادي لا يعني أزمة نقدية في الأفق

لا شك بأن القطاع الحقيقي للاقتصاد اللبناني في وهن مستمر إنما القطاع المصرفي لا يزال سليماً والقطاع النقدي لا يزال مدعوماً بعناصر حماية لافتة. على صعيد القطاع الحقيقي، فإن النمو الاقتصادي في لبنان يسير بوتيرة بطيئة بنسبة تقل عن 2٪، بالمقارنة مع متوسط نمو طويل الأجل بنسبة 5٪ ومقارنةً بمعدل نمو سنوي بلغ 9٪ خلال فترة الفورة الاقتصادية للبنان، أي خلال النصف الثاني من العقد المنصرم. أما الاستثمار فهو يتقلص بالقيم الحقيقية، مع تأجيل للقرارات الاستثمارية الكبرى، بحيث أن المستثمرين الراغبين في إنشاء فندق أو افتتاح مطعم أو مصنع يؤجلون ببساطة قراراتهم الاستثمارية، كما يتضح من خلال تراجع التسليفات المصرفية الممنوحة للقطاع الخاص.

هذا وتستمر أزمة البطالة في لبنان في التصاعد مع تضاعف نسبة البطالة على مدى نصف العقد الماضي لتصل إلى أكثر من 20٪ اليوم في ظل غياب أي خلقٍ لفرص عمل جديدة لثلاثين ألف لبناني ينضمون إلى القوى العاملة كل عام. أما نسب التضخم فاتخذت منحىً تصاعدياً من معدل قريب إلى الصفر في العام 2016 إلى 4.5% في العام الماضي وإلى حوالي 7% هذا العام. مع الإشارة إلى أن ارتفاع نسب التضخم هذا العام يرتبط بمفاعيل إقرار سلسلة الرتب والرواتب لموظفي القطاع العام إلى جانب الإجراءات الضريبية الأخيرة وتأثيرها على رسوم التعليم، ناهيك عن انعكاس ارتفاع أسعار النفط على تكلفة النقل. كل هذا يشير إلى أن الاقتصاد الوطني اقترب من وضعية الركود التضخمي (أي ركود بالترافق مع تضخم).

على الصعيد النقدي، فإن عناصر الحماية أو خطوط الدفاع في لبنان لا تزال بمكانة جيّدة على الرغم من وهن الاقتصاد الحقيقي. إذ يتمثّل خط الدفاع الأول في صدّ التحويلات من الليرة اللبنانية إلى العملات الأجنبية (أو المخاطر النقدية)، في حين أن خط الدفاع الثاني يتمثل في صدّ أي خروج للودائع المحلية إلى الخارج (أو المخاطر المالية). وبالنسبة لخط الدفاع الأول، فإن الموجودات الخارجية لدى مصرف لبنان تبلغ اليوم 43 مليار دولار، أي ما يعادل 82٪ من الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه في ظل فترات الأزمات السابقة، أي بعيد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005 والحرب الإسرائيلية في العام 2006، تم تحويل ما يقارب 30٪ من الودائع بالليرة اللبنانية إلى العملات الأجنبية، في حين أن نسبة تغطية الكتلة النقدية بالليرة في لبنان تصل اليوم إلى 82% وهي تعادل ضعف متوسط تغطية الدول ذات التصنيف السيادي المماثل للبنان. أما بالنسبة لخط الدفاع الثاني، فتمثل السيولة الأولية لدى المصارف بالعملات الأجنبية أكثر من 50٪ من الودائع بالعملات الأجنبية. أي أنه في حال رغب نصف المودعين في مغادرة لبنان ونقل أموالهم إلى الخارج، فإن المصارف اللبنانية تملك سيولة كافية لتلبية احتياجات هؤلاء المودعين. مع الأخذ بعين الاعتبار أنه خلال أزمات 2005 و2006، تم خروج ما يناهز 4٪ فقط كحد أقصى من قاعدة الودائع المحلية إلى الخارج. وبعبارة أخرى، في حال تكررت خضات مماثلة، يبقى لبنان، على الأقل مالياً ونقدياً، متماسكاً إلى حدٍّ بعيد.

أخيراً، إن المسار الطويل الأجل للاقتصاد اللبناني وللأسواق يعزز قناعتنا بأن الاقتصاد محكوم بالتقلبية، حيث لا ينبغي فقدان الأمل عندما تسوء الظروف كما أنه لا داعي للتفاؤل المفرط حين تتحسن المعطيات. فقد ثبُت أنه لا مجال للتفاؤل المطلق ولا للتشاؤم الدائم في ظل بيئة اقتصادية محكومة بالتقلبية بشكل عام. هذا ومن المهم التذكير هنا بأن الرهانات الطويلة الأجل على الأسواق اللبنانية أثبتت أنها صائبة حتى الآن. في الواقع، إن المردودية الفعلية التي تحققت كانت جاذبة بالمقارنة مع علاوات المخاطر المنطوية عليها. فمنذ العام 1993، استطاع المستثمر الذي آثر تحمل المخاطر السيادية اللبنانية أن يحقق مردوداً سنوياً وسطياً على سندات الخزينة اللبنانية بمعدل 11% وعلى سندات اليوروبوندز اللبنانية بمعدل 8%. ولا شك في أن هذه المردودية جاذبة، بالنسبة إلى تلك المسجلة في الأسواق الناشئة بشكل عام خلال هذه الفترة، في سوق لبنانية لم تشهد أي تدهور في سعر صرف العملة الوطنية أو أي تعثر في سداد الديون السيادية أكانت بالليرة اللبنانية أو بالعملات الأجنبية على المدى الطويل.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard