جوسيبّي تورناتوري بالأسود والأبيض

6 تشرين الثاني 2018 | 19:10

جوسيبّي تورناتوري أثناء الأمسية في روما.

"عيد روما السينمائي" في دورته الأخيرة (١٨ - ٢٨ تشرين الأول) أعطى المخرج الإيطالي جوسيبّي تورناتوري نافذة على الكلام للحديث عن أفلامه النوار المفضّلة. اختار صاحب "سينما باراديزو" الفائز بالـ"أوسكار" ثمانية منها أُنجزت بين عامي ١٩٣٥ و١٩٦٠ في مبادرة واضحة (بعد درس سكورسيزي عن الأفلام الإيطالية) لارساء ثقافة المشاهدة في بلاد فيلليني وأنطونيوني.

مئات تجمهروا أمام صالة "بتراسّي" في أوديتوريوم الموسيقى للاستماع إلى درس حقيقي في السينما قدّمه أحد أكثر المخرجين الأوروبيين عشقاً للفنّ السابع، واطلاعاً على تيّاراته الحديثة والقديمة التي عاينها مذ عمل عارضاً للأفلام في صالة سينما في صقلية.

خلال أكثر من ساعة ونصف الساعة، تناول تورناتوري لحظات مضيئة من سجلّ الفيلم النوار، هذا الجانر السينمائي الذي يصعب تحديده على نحو علمي دقيق، الا انه يمكن الجزم ان الجريمة والغيرة والخيانة والأجواء الضاغطة التي لا تترك أي متنفس لشخصيات مضطرة إلى التعامل مع مأزقها رغماً عنها، من المفردات المتكررة في هذه البيئة الفيلمية التي وجد الناقد الفرنسي نينو فرانك تسمية لها. الأفلام النوار زاخرة بشخصيات نمطية: المحقق اللئيم، المرأة اللعوب، أفراد يقفون على حافة الانهيار العصبي… والخاتمة دائماً تتويجٌ لهذا كله.

لم تسلم الأمسية من نقاش دار حول بعض الأفلام الاشكالية التي لم تكن محل اجماع عبر التاريخ. مدير المهرجان ومحاور تورناتوري، أنتونيو موندا، أشعل هذا النقاش خصوصاً عندما حان وقت الحديث عن "جريمة وعقاب" لجوزف فون سترنبرغ. نقاش أعاد إلى الأذهان أبهى مراحل النقد السينمائي الأوروبي المقسوم معسكرات، وختم موندا بالمزح، ذاكراً جملة لبييترو جرمي: "لا توجد أفلام نوار في السينما الإيطالية، لأننا لا نخاف الشرطة".

"تعويض مزدوج" لبيلي وايلدر (١٩٤٤)

"اخترته لأنه أحد أجمل الأفلام النوار في تاريخ السينما. انتقيتُ هذين المشهدين لأن هناك حكايتين مرتبطتين بهما. كان عندي ما يكفي من الحظّ كي ألتقي بيلي وايلدر خلال حياتي. في الأفلام، جرت العادة ان نرى تلك المشاهد حيث البطل يركض هارباً من خطر ما أو من شخص يلاحقه، ثم يصعد في سيارته ويشغّل المحرّك فلا يعمل. مشهد كهذا رأيناه في عدد لا يُحصى من المرّات. الجمهور يجد نفسه تحت الضغط والاثارة والتشويق ويعتقد أن المحرّك لن يشتغل، وفي الآخر بعد إلحاح يشتغل. هذا شيء رائج جداً. لكن في فيلم وايلدر، وللمرة الأولى، المحرّك لم يدر فعلاً. والحقيقة ان وايلدر خلال تصوير المشهد لم يكن راضياً عنه. حاول، ثم عبثاً كرّر المحاولة، وفي الأخير أرسل الجميع إلى منازلهم بعدما شعر بتعب. ما كان مكتوباً في السيناريو لا يتطابق مع ما نراه في الفيلم. اذاً، أرسل الجميع وبقي وحده في موقع التصوير. بينما كان يستعد للعودة إلى المنزل، شغّل المحرّك ولم يدر، فقال: "هذه فكرة عظيمة!". خطر في باله ضمّها إلى الفيلم. هذا ما كان ينقص المشهد ليصبح عظيماً.

أما الخبرية الثانية المرتبطة بالمشهد الثاني الذي شاهدناه، فبيلي كان يحضّره كما كان مكتوباً في النصّ. لكن خلال تصويره الذي كان يتطلّب ان تختبئ باربارا ستانويك، انتبه ان الباب يفتح إلى الداخل وليس إلى الخارج، وهو كان يحتاج ان يفتح إلى الخارج لضرورات التصوير. فقيل له: "مستحيل، كلّ الفنادق هكذا!". فكّر في حلّ. تمّ الاتّصال بمصمم الديكور، علماً ان المشهد كان مثالياً وأي تغيير كان سيضرّ به. عندما لم يبقَ أي حلّ، استُقدِم عامل ليغيّر إتجاه الباب. لعله الفندق الوحيد في العالم الذي لديه باب يفتح إلى الخارج. عرضتُ هذين المشهدين للقول انه يجب ان يكون المرء دائماً متيقظاً ومنفتحاً على التغيير. فالتغيير يجلب الابداع. وأيضاً: يجب ان ننتبه لكلّ التفاصيل قبل التصوير، والا الأشياء ستبقى حبراً على ورق، من دون ان تجد طريقها إلى الشاشة".  

"سيدة البورتريه" لفريتس لانغ (١٩٤٤)

"اذا خُيًّرتُ بين فريتس لانغ وبيلي وايلدر فلا أعرف مَن أختار. وايلدر قادر على كلّ شيء، أما لانغ فلا أتخيّله ينجز فيلماً كوميدياً. خاتمة هذا الفيلم أثارت لغطاً وقتها وكانت مادة لنقاش طويل. الشخصية الرئيسية بروفسور في علم الجريمة. يجب القول اننا أمام نموذج للفيلم النوار. هذا البروفسور يجد نفسه مشدوداً إلى بورتريه لسيدة في غاليري. من شدّة انجذابه، البورتريه يتجسّد. يتعرف إلى السيدة. يصبح الوضع معقّداً. الحبكة كمال بكمال. مع انها لم تعجب بعض النقّاد الذين قالوا عنها انها زائفة. لانغ شرح انه قصد ذلك. هذا المشهد الذي عرضته، نوقش كثيراً. فيه خليط من الواقعية والغنائية. تخيّلوا فيلماً عن رجل ينتحر على أريكته، ثم ينهض مجدداً من الأريكة نفسها. كلّ هذا حلمٌ في النهاية. انه عمل عبقري. الفكرة كانت قوية. استخدام الأسود والأبيض جعل الفكرة أسهل. لو صُوِّر بالألوان، لتبددت قوته. اذا أردنا استخراج تيمة واحدة من الفيلم النوار فهي الشعور بالذنب. وهذا الشعور بالذنب يغيّر الشخصيات. أجمل شيء في الفيلم النوار هو ان الفكرة بسيطة، لكن تعدد أساليب السرد رائع. في البداية، كان النوار "جانراً" سينمائياً يُسهِّل بيع القصص. أعيد اكتشافه لاحقاً. حتى هيتشكوك كان يُنظر اليه من هذه الزاوية. بفضل فرنسا و"الموجة الجديدة"، أعيد الاكتشاف بطريقة أخرى. هؤلاء ذهبوا أبعد من الـ"جانر" الذي تم حصرهم في اطاره. أجد هذا الفيلم تحفة سينمائية خالصة".

"المرآة الداكنة" لروبرت سيودماك (١٩٤٦)

"لا يوجد سبب معين لاختياري هذا المشهد. سيودماك برع في الأفلام التجارية، وكن بعض أفلامه قُوربت بشكل أعمق ونتجت منها رؤية مختلفة. اخترتُ هذا الفيلم لأنه يطرح تيمة الازدواجية، وهي تيمة أساسية في الفيلم النوار. نحن أمام شخصية متّهمة بالقتل. العلّة ان لديها اختاً توأماً. الخاتمة شجاعة جداً، لأنها لا ترضي فقط الجمهور العريض. نخرج من العرض مع الكثير من التساؤلات واللبس والغموض، بالرغم من ان كلّ شيء واضح. بعض المَشاهد كان تصويرها صعباً جداً في تلك الحقبة".

"الجريمة والعقاب" لجوزف فون سترنبرغ (١٩٣٥)

"ينظر النقّاد جميعهم إلى هذا الفيلم باعتباره بلا قيمة، للأسباب التي ذكرتها وخلاصتها ان الرواية أعظم من أفلمتها. اذا قارنّاه برواية دوستويفسكي، فلن يصمد في الذاكرة. ولكن اذا تجاوزنا عقدة الدونية التي لدى السينما تجاه الأدب، فنرى فيه فيلماً ينطوي على أفكار إخراجية جيدة. أوافق على نظرية ان الروايات الكبيرة لا تعطي أفلاماً كبيرة. كي تنجز فيلماً كبيراً عليك اقتباس رواية متوسطة الجودة. هناك توتر وقلق في هذا الفيلم يغيبان عن مئات الأفلام. القصّة عن طالب في كليّة الحقوق يرتكب جريمة ويعتقد انه سينجو من العقاب. هناك المناخ المسيطر على الفيلم، وأيضاً… بيتر لوري!".

"من الماضي" لجاك تورنور (١٩٤٧)

"لا أعرف اذا كان أعظم فيلم نوار عبر التاريخ، لكنه أفضل فيلم لتورنور (مخرج فرنسي وابن موريس تورنور) المعروف من السينيفيليين كصانع أفلام شعبية من الطراز الأول. يجمع الفيلم روبرت ميتشوم وكيرك دوغلاس، وأعيد اكتشافه كما العديد من الأفلام في هذه القائمة، وخضع لتحليلات وتقييمات جديدة. عندما خرج في الأربعينات، لم يحقق أي نجاح جماهيري. لطالما أحببتُ الحوارات الأدبية جداً فيه: جمل سريعة ودقيقة حمّالة معانٍ تذكّرني بأفلام الوسترن التي أنجزها سرجيو ليوني. السرديّة رائعة. أسلوب ترك فيّ انطباعاً كبيراً".

"ديتور" لإدغار أولمر (١٩٤٥)

"فيلم آخر أعيد اكتشافه. هناك شيء مميز فيه مقارنةً بالأفلام الأخرى: صُوِّر ببضعة أيام. ربما لم تكن سبعة أيام بالضبط كما تدّعي الاسطورة، ولكن حتماً ليس أكثر من ذلك. وأنتَ كمُشاهد تتأكد من صحّة هذه الاسطورة، فتشعر ان ليس كلّ شيء على ما يرام في الفيلم. ولكن لا تهتم، لأن القصّة أقوى. انها قصّة عن الرغبة. تبدأ كما يبدأ العديد من الأفلام. شاب يبكي لأن النادلة في بار وضعت اسطوانة جعلته حزيناً. هذا الشخص يقول لنا فجأةً: "سأكون حبكة رائعة". ثم يتوجّه إلى لوس انجليس للقاء صديقته التي تريد ان تكون نجمة سينما. هناك كلّ مكوّنات الفيلم النوار، منها المرأة اللعوب. المخرج كان مساعداً لسيودماك في فترة السينما الصامتة".

"الثقب" لجاك بيكير (١٩٦٠)

"هذا فيلم مختلف تماماً. اسلوب مغاير كلياً. اخترته لأني لطالما شعرتُ ان هناك علاقة معينة تجمعني به. عندما شاهدته متأخراً بعض الشيء، أي بعد اكتشافي لأفلام أخرى، شعرتُ بالذنب. ترك فيَّ أثراً كبيراً لجهة الدراما والتوتر اللذين يخلقهما. الأحداث تجري داخل زنزانة. مجموعة سجناء يخططون للفرار. الفيلم يقدّم كلّ تفاصيل الفرار. من الأشياء الضرورية في الفيلم: مرآة. وستُستخدم لتسهيل عميلة حفر الثقب للفرار. نعتقدها بلا فائدة، الا ان هذه المرآة تصبح فجأة عنصراً أساسياً في الحكاية. الفيلم يضع الجمهور في حالة تماهٍ مع السجناء، وهم المفترض انهم الأشرار. ثم أحد السجناء يخون رفاقه، فيفشل المخطط. عملٌ على قدرٍ عال من التعقيد. في الآخر، تدهمك رغبة في الفرار، تريد ان تهرب مع السجناء. كلّ ما تريده هو الهروب".

"اطلب ميم للقتل" لألفرد هيتشكوك (١٩٥٤)

"نحن هنا أمام رجل يبحث عن شخص يقتل زوجته. يجوز ان نضع هذا الفيلم في اطار النوار، وإن أزعج أنصار النوار المتعصّبين. كنت أريد ان أضع فيلماً لهيتشكوك، هكذا بكلّ بساطة، فلا أكترث. كنت في الخامسة عشرة عندما شاهدته. آنذاك كنت أعمل عارضاً للأفلام في السينما. شاهدته مرتين في غضون يومين. أبهرني! اذا أردتُ ان أختار مشهداً واحداً من كلّ سينما هيتشكوك فسيكون هذا الذي اخترته. أبهرني المحقق الذي هو بالنسبة لي مخرج وليس محققاً، لانه يشرح كيف يمكن للمخرج ان يكون فعّالاً، ضرورياً. يريد من الناس ان يفهموا. انها أكثر من جريمة متكاملة الأوصاف. هذا علم هندسة متكامل الأركان".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard