عندما سألني إدوارد سعيد: هل أنت مثقف؟

5 تشرين الثاني 2018 | 16:05

المصدر: "النهار"

  • كمال ديب
  • المصدر: "النهار"

إدوارد سعيد.

هذه المقالة إلى الراحل #ادوارد_سعيد بمناسبة عيد ميلاده. فهو وُلد في أول تشرين الثاني 1935 ولو عاش لكان له من العمر 83 عاماً.

لقد تواصلتُ مع إدوارد سعيد ومع مساعدته زينب آبادي في جامعة كولومبيا في خريف 2002 وشتاء 2003 ليضع مقدمة كتابي بالإنكليزية حول أمراء الحرب في لبنان (صدر عام 2003). فشرح لي أنه لكي يعطي الكتاب أهميته عليه أن يقرأه جيداً وليس لديه الوقت قبل ست شهور على الأقل. قال لي إنّ أمامه الكثير من الكتب والدراسات ليكتبها، فسألته عن كتابه الصغير Representations of the Intellectual ولماذا لم يكتب عن موضوعه أكثر. فأعجبه اهتمامي وأجابني بسؤال: هل أنت مثقف are you an intellectual؟ فأجبته: إذا كان يقصد بسؤاله شروط المثقّف وقول الحق في وجه السلطة فأنا أمارس ذلك في حياتي اليومية. وفهمت ما يقصد أن على المثقف مسؤوليات عليه تنكّبها، أو كما نقول باللهجة العامية اللبنانية، "إنتَ قدّا؟" والجواب العامي "قدّا وقدود". وكنتُ أريد أن أنتظر ستة شهور لكي أعاود التواصل، ولم أكن أعلم أنّ وضعه الصحي قد تدهور بعد شتاء 2003، إذ توفي في 25 أيلول 2003. (ملاحظة: وضع مقدمة كتابي عن أمراء الحرب المفكر اللبناني #جورج_قرم).

لقد حدّد إدوارد سعيد المثقف كناشط اجتماعي وكملك فيلسوف. المثقفون هم الأشخاص الذين يتحلّون بالموهبة الاستثنائية وبالحسّ الأخلاقي الفذّ، فيشكلّون ضمير البشرية. ولكنّهم ليسوا معصومين وقد يقعون ضحية إغراءات ويخونون قضية الثقافة، فيتخلّون عن رسالتهم ويتعرّضون للشبهة. والمثقف الحقيقي يجب ألّا يقلّ مبدئية عن يسوع المسيح وعن سقراط، أو عن شخصيات أكثر معاصرة مثل سبينوزا وفولتير. وهذا المثقف الحقيقي يدافع عن المعايير الأزلية للحق والعدل، وهي – لكمالها - معاييرٌ ليست من هذا العالم. مقارنة بعامة الناس الذين لا يدافعون عن مثل عليا بل تسيّرهم الفائدة المادية ويأسرهم التقدّم الشخصي، فيقيمون علاقة وثيقة مع السلطة وأصحاب النفوذ السياسي. وهذا ما يفسّر سوسيولجياً كيف تنبثق طبقة حكّام فاسدة من شعب ينتخبهم في علاقة زبائنية كما هي الحال في لبنان منذ الاستقلال.

حتى لو أراد المثقفون التماهي مع المسيح وسقراط، فإنّ أسوأ ما يرتكبونه هو أن ينضووا تحت لواء السلطة ويتخلّوا عن واجبهم الأخلاقي. فيساعدون الطبقة السياسية – الاقتصادية الحاكمة، في ترويض الناس و"تنظيم المشاعر الاجتماعية" وغسل الأدمغة. ولعل هذا انطبق إلى حدّ ما على مئات المثقفين في لبنان منذ اندلعت الحرب عام 1975 وحتى اليوم، حيث يشارك بعضهم وبتحيّز سياسي مخزٍ، في إذكاء الروح الطائفية بطريقة خبيثة، وبإطلاق عنان غوغاء الجماهير والتعصّب الشوفيني وأحياناً العنصري، وبتبرير المصالح الطبقية للفاسدين في المجتمع. وهذا للأسف حال مئات المثقفين العرب في أكثر من بلد.

ويقول إدوارد سعيد إنّ الحكومات إنّما تريد أن يتحوّل المثقفون إلى خدّام لها يحوّلون الأنظار عن أعداء البلاد الطبيعيين بابتكار عبارات ملطّفة ولغة خشبيّة ونظام كامل من عبارات مقنّعة يمكنها أن تخفي ما يجري باسم "الشرف الوطني". فمَن يُلام إذن؟ المثقف الذي تخلّى عن رسالته وباع ضميره من أجل المال؟ أم الطبقة الحاكمة التي لن تتورّع عن توظيف مَن يخدم غاياتها؟ أم الشعب نفسه الذي لا يتحرّك ويتّحد لقضايا سامية تساوي وجوده؟

لا يملك المثقف خيارات عدّة. فإمّا أن يختار التكلّم بشجاعة وبدون تردّد ضد أعمال الظلم السلطوي والقمع والحماس الشوفيني الأعمى، وإمّا أن يسير كالغنم في القطيع. ومن هنا أهمية دور المثقف وميزته عن الآخرين في المجتمع، كشخص قادر على قول الحق في مواجهة السلطة، كفرد قاسٍ، وبليغ وشجاع إلى درجة لا تُصدّق، وغاضب لا يعرف أي قوّة دنيوية تكون كبيرة ومهيبة جدّاً بحيث لا يمكن انتقادها وتوبيخها على سلوكها. فعلى كل مثقف سواء كان أستاذاً جامعياً أو مؤلفاً أو شاعراً أو صحافياً أو مستشاراً لمسؤول سياسي، أن ينتقد باستمرار.

ويصرّ إدوارد سعيد على أنّ المثقف له دور محوري في المجتمع ولا يمكن تصغيره إلى مجرّد شخص مهني لا وجه له، كأنّه طبيب أسنان أو مهندس، أو كمجرّد عضو كفوء في منظمة أو شركة إو إدارة حكومية لا يهتم إلا بأداء عمله. وبالأحرى لا وجود البتّة لمن يمكن وصفهم بمثقّف "الخاص" privé، لأنّ المثقّف يدخل الحيّز العام في المجتمع منذ اللحظة التي يكتب فيها كلماته ثم ينشرها. وكذلك لا يمكن اعتبار المثقف شخصية عامة وكأنّه متحدّث باسم أفراد أو منظمات أو يصبح رمزاً لقضيتها أو يشكّل حركة أو يقدّم موقفاً ما، كأن يكون زعيماً سياسياً أو رئيس حزب. عليه دائماً أن يكون منفصلاً، ولكن أن يكون حاضراً بشخصيته وبحساسية خاصة به، وذلك حتى يكون معنى لما يكتب أو يقول، من دون أن يدغدغ مشاعر الجماهير أو يسعى لإرضاء الناس. فالعبرة الأساسية برمّتها أن يكون مُحرِجاً للسلطة ومناقضاً - بل حتى مكدِّراً - للصفو العام.

ولكي لا يترك أي مجال للشك في موقفه الاخلاقي، فإنّ إدوارد سعيد، يخصّص فصلاً حول موضوع "قول الحق في وجه السلطة". فيقول: "ما يثير مشاعري هي قضايا وأفكار أستطيع فعلاً أن أختار دعمها لأنّها تنسجم مع قيم ومبادئ أؤمن بها. ولذا فأنا لا أعتبر نفسي مكبّلاً في مهنة تدريس الأدب". ويصل إدوارد سعيد إلى إحدى خلاصاته الرئيسية أنّ أحد النشاطات الفكرية الرئيسية للمثقف يجب أن يكون استجواب السلطة. إذ أمام انهيار القيَم الانسانية وشرعة حقوق الانسان وكافة العهود والقوانين، فإنّ على المثقف واجب أن لا يفقد البوصلة، ويبقى دوره أن يطبّق مقاييس السلوك الرفيعة التي تدعو إليها الشرعات والمواثيق والتي وقّعتها الدول ويجب أن يسير عليها المجتمع الدولي بأسره . والاحتماء في مهنة لقاء المال أو في وظيفة تدرّ ذهباً واعتناق التعصّب الديني والعرقي الذي يغشى البصيرة، هي من مخاطر تدهور المثقف، حتى لو ما زال ضميره يوخزه عندما يقرأ صحف الصباح. وعلى المثقّف أن يحافظ على الحدّ الأدنى ويحافظ على واجبه الأساسي في مخاطبة السلطة في مجتمع المثقف نفسه.

ربيع كيروز عشرون عاما من الشغف، وتستمر الحكاية


عشرون عاماً مرّت وكأنها شريط سينمائي بالأبيض والأسود يروي حكاية شغف بالفن، ويترجم عشقاً بالمرأة ويروي حكاية بلد صغير، انتج عملاقاً في مجال الإبداع والخيال الذي لا يعرف حدوداّ. لقد انضم المصمم العالمي ربيع كيروز  رسمياً الى حلقة المبدعين في الهوت كوتير والتي لا تحوي إلا اسماء قليلة من التي تغص وتضجّ بها الساحة المحلية والعالمية وتأخذ حجماً في وسائل الإعلام لدينا  أكثر مما ينبغي. التقينا بالمصمم ربيع كيروز في دارته الجديدة في الجميزة، وللمناسبة قام المصمم المبدع بتغيير اللوغو مركزاً على حرف R اي الراء بالأجنبية ليترجم العودة واستعادة الماضي وأيقوناته بروح متجدّدة فمن ليس له ماضٍ، لا حاضر له!  وفي هذه المناسبة عبر المصمم في حوار خاص أعددناه احتفالاً بمرور عشرين عاماً على الدار في لبنان عن مدى سروره بمسيرته كمصمم انطلق من لبنان الى العالمية، فقال: "منذ عشرين عاماً بدأنا، ومنذ عشر سنوات حقّقنا حلم افتتاح مقرّ لنا في باريس، ;كنّا ثلاثة أشخاص عندما زرنا لأول مرة المقر الذي سنفتتح فيه في باريس، واليوم بتنا ثلاثين شخصاً هناك، واليوم غدا هذا الحلم حقيقة بفضل فريق العمل والصحافيين الذين آمنوا بي، فلهم أقول شكرا".نجدها من مربع ومستطيل، فاللغة باتت عالمية والأشكال الهندسية لطالما الهمت هذا 

يستعيد ربيع كيروز مخزون عشرين عاماً ويقول:" أدين بجمال البدايات الى أول عروس قصدتني، لأنها وثقت في من دون أن ترى تصاميمي وكانت بداية المغامرة... لا زلت أذكر الخوف الذي كان ينتابني عندما أُظهر أول رسم للفستان للعروس، وأول رجفة قلب عندما أعتلي الخشبة...وهو أمر جيد لأن إحساس المرة الأولى الذي يرافقنا يدفعنا الى الأمام، فهذا القلق الدائم هو الحافز للتقدّم...

آخر مجموعة لي أسميتها "الحمد الله" وأنا ممتن لكلّ من عملي معي... لتلك الأيادي الصغيرة التي ترجمت أفكاري وممتن للأربعين فرداً من عائلتي الذين رافقوني في مشواري... وأنا ممتن لرئيسة تحرير فوغ الفرنسية سوزي منكيس لأنها قارنتني بمهندس الديكور، وأنا أعتبر أنّ الفستان هيكل جميل لا يحتاج الى زخرفة... العمل في لبنان مغامرة جميلة فنحن محاطون بأناس طيبين وكان يمكنني البقاء في باريس ولكن ثمة مغناطيساً يشدّني الى لبنان ولا أندم أبداً على البقاء فيه فلبنان بلد يربّي لنا أجنحة ويرفعنا الى العالمية...

في العام 2009 استقبلتني نقابة الأزياء في باريس وبعد عشر سنوات بتّ عضواً دائماً في قريق من المصممين الراقيين المحصورة بٍ 17 مصمماً فقط. مصدر إيحائي من روحي الشرقية ومن شمس بيروت وأنفذ تطريز الخيط في لبنان وكل الطلبات التي تردني من البلدان العربية... لا تتصورون فرحتي بأن عائلة ربيع كيروز باتت تحت سقف واحد وأتأثر عندما تقولون لي بأنني قدوة ومنذ عشر سنوات أسست مع تالا حجار مؤسسة ستارتش لدعم المواهب الجديدة وأطمح الى العمل على تطوير ودعم الحرفيين فنحن لا أتصور نفسي اصمم في ساحة لوحدي، فبرأيي ما في واحد يلعب وحدو بالساحة، بيزهق!".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard