هجوم داعش الأخير في دير الزور ... درس مستقى من "القاعدة"

31 تشرين الأول 2018 | 12:48

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

صورة ملتقطة لجزء من فيديو نشره داعش سنة 2014 عن مقاتليه - "أ ف ب"

في العاشر من أيلول الماضي، أطلقت قوّات سوريا الديموقراطيّة "#قسد" عمليّة مدعومة من الولايات المتّحدة لتحرير جيب هجين الواقع أقصى شرق محافظة دير الزور من قبضة داعش. ومنذ حوالي الأسبوعين، ردّ التنظيم بهجوم مضادّ لاستعادة ما سيطرت عليه قسد طوال فترة تقدّمها، فاستطاع تحقيق كامل هدفه في الفترة الواقعة بين يومي الجمعة والأحد الماضيين. وفي هذا الوقت، سقط ما لا يقلّ عن 70 قتيلاً من "قسد" في مؤشّر بارز إلى نوعيّة العمليّة التي شنّها التنظيم والتي اعتمدت على الانتحاريين وحتى الانتحاريّات خلال الهجوم المضاد. 

تبدو العمليّة التي شنّها داعش صادمة. فقادة الدول البارزة المنخرطة في قتال داعش كانوا قد أكّدوا أنّ التنظيم شارف على نهايته التي توقّعوا أن يواجهها خلال هذه السنة. لكن يبدو أنّ التنظيم لا يزال قادراً على إطلاق هجمات منسّقة ومدمّرة في مشهد يخالف التوقّعات - أو بعضها على الأقلّ. فمنذ فترة قصيرة برزت تقارير أخرى، من بينها ما هو صادر عن الأمم المتّحدة، تظهر أنّ عشرات الآلاف من المقاتلين منضوون في صفوفه بعد أربع سنوات على شنّ الحرب ضدّه. وأشارت إلى أنّ الضربات التي تلّقاها، على الرغم من قساوتها، لم تقضِ على قدراته الهجوميّة بشكل كامل.


حصل ما توقّعه التحالف وخبراء آخرون

حتى قبل هجوم داعش بساعات، قال الناطق باسم التحالف الدولي العقيد شون راين إنّ مقاتلي داعش لا يزالون قادرين على مهاجمة القوّات الأميركيّة وحلفائها. وأضاف في حديث إلى إذاعة "صوت أميركا" أنّ التحالف يدمّر إمدادات الذخيرة واللوجستيّات والتمويل التي تصل إلى التنظيم الذي يسيطر على 1% من المساحة السوريّة، حيث يحتفظ بوجود بارز في وادي الفرات الأوسط. على الرغم من المساحة الضئيلة التي يحتفظ بها داعش لا يزال الأخير قادراً على فرض التهديد لأنّ الأمر يرتبط بالقدرات أكثر من ارتباطه بالجغرافيا، كما أوضح راين.

سبق أن أشار خبراء في الشؤون الأمنيّة والإرهابيّة ل "النهار" إلى أسباب تشاؤمهم إزاء ما كان يُتداول به من اقتراب نهاية داعش بالسهولة التي توقّعها البعض. وبالفعل، تلقّت العمليّة العسكريّة التي أطلقتها "قسد" وواشنطن الشهر الماضي ضربة كبيرة بعدما كان من المفترض أن تنهي داعش داخل آخر جيب متبقّ له في منطقة هجين الواقعة شرق المحافظة. في جميع الأحوال، وبعد مواجهتها هذه التطوّرات السلبيّة استقدمت "قسد" حوالي 600 مقاتل لغاية يوم الثلاثاء من أجل استعادة جميع المناطق التي تقدّم فيها التنظيم إضافة إلى استقدامها تعزيزات بالعتاد والأسلحة.


العناصر المسهّلة

إنّ عاصفة رمليّة ضربت تلك المنطقة سهّلت على داعش هجومه المضاد، خصوصاً أنّ داعش على دراية أكبر بخبايا المنطقة وفقاً لما قاله مدير المرصد السوريّ لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن. لكن هنالك عناصر أخرى تشكّل جزءاً من تركيبة هذه المعادلة أيضاً. لا شكّ في أنّ أبرز الأسباب التي مكّنت داعش من النجاح كان عمله الدؤوب على تطوير دعاية جاذبة مستغلّاً أهمّ خصائص الإعلام المعاصر المبنيّ في جزئه الأوسع على وسائل التواصل الاجتماعيّ. ولهذا السبب، يخشى المراقبون من أنّ نهاية داعش، كدولة وحتى كتنظيم، قد لا تعني هزيمته النهائيّة. فهو قد يظلّ قادراً على التجنيد من خلال المنصّات الافتراضيّة لشنّ هجمات عبر "ذئاب منفردة" في أنحاء مختلفة من العالم. لكن على الرغم من أهمّيّة هذا العنصر، يبقى أنّ لداعش مصلحة حيويّة في الحفاظ على آخر جيوبه كي يتمكّن من تحقيق أهدافه التدميريّة.


ما اكتشفته القاعدة بالطريقة الصعبة

شرحت محرّرة الشؤون الخارجيّة في موقع "فوكس" الأميركيّ جينيفر ويليامز أنّ مقاتلي داعش غير متركزّين في بقعة جغرافيّة واحدة. وتتابع ضمن تقريرها أنّ "هذا مهم كثيراً: من دون ملاذ آمن حيث يمكنك التخطيط وتدريب قواتك وبناء جيشك، من الصعب أكثر بكثير أن تشنّ هجوماً عسكريّاً كبيراً مثل النوع الذي رأيناه أوّلاً حين اجتاح العراق سنة 2014".

طبعاً لا يفكّر داعش في إعادة إطلاق اجتياحات واسعة كما حصل منذ أربع سنوات، لأنّ هذا أصبح خارج نطاق قدرته. لكنّه مع ذلك، يهتمّ بالحفاظ على جيوب جغرافيّة تسمح له بالتمتّع بالحدّ الأدنى من القدرة على التخطيط والتواصل بين أعضائه. من هنا، يمكن أيضاً الاستعانة بما أوضحته ويليامز عبر مقارنة تكتيكات داعش بتلك التي استخدمتها القاعدة: "إذا كنت راكضاً باستمرار، منتقلاً من منزل آمن إلى منزل آمن، في حين أنّك مطارَد من القوّات التي تقودها الولايات المتّحدة، فإنّه لمن الصعب أيضاً أن تتواصل مع أعضاء تنظيمك الأكثر بعداً – أمر اكتشفته القاعدة بالطريقة الصعبة".


واقع باتّجاهين

لا شكّ في أنّ داعش سخّر أقصى طاقاته، وربّما على الأرجح آخر ما يحتفظ به من طاقات، كي يشنّ هجومه الأخير لأنّه يعلم مدى محوريّة أن يواصل احتفاظه بجيب صغير يضمن له حلقة بسيطة من القيادة والإمرة على الحدود السوريّة-العراقيّة. إذاً، صحيح أنّ تهديد داعش ينطلق من إمكاناته المادّيّة أكثر من الأراضي التي يحتفظ بها وفقاً لتعبير الناطق باسم التحالف. غير أنّ هذا لا يعني أنّ الاحتفاظ بالمساحات ذو أهمّيّة هامشيّة بالنسبة إليه. فإذا كان هجوم التنظيم الأخير يظهر توقه لمواصلة سيطرته على ميدان محدّد، فإنّ سيطرة داعش على هذا الميدان بالتحديد هي التي مكّنته من شنّ هجوم قاتل كالذي شهدته دير الزور منذ بضعة أيّام.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard