ذكرى وهيب كيروز ومتحف جبران خليل جبران

23 تشرين الأول 2018 | 15:58

المصدر: "النهار"

  • كمال ديب
  • المصدر: "النهار"

مقام القديس شربل في بقاعكفرا ووهيب كيروز.

قبل ستة أعوام تقريباً أحزنني خبر وفاة الأستاذ وهيب كيروز وذكّرني بلقاءاتي به وأحاديثنا الثقافية في مكتبه داخل متحف جبران في بلدة بشرّي في شمال لبنان. ولقد حفظت أحاديثنا للذكرى على شريط سجّلته على كاسيت وفي صور جمعتنا في متحف جبران.

قبل 15 سنة، قرّرتُ أن أسترجعَ اللغة العربية والروابط مع الوطن الأم لبنان. فاقتنيت كتباً في قواعد اللغة العربية من تأليف الأب رشيد الشرتوني، وبدأت أزور لبنان كل عام أو عامين أستكشف ربوعه. وكانت زيارات إلى منطقة بشري بصحبة أصدقاء من كندا من آل سكّر وآل كيروز، حيث التقيت الأستاذ وهيب.

هون السما قريبي تسمعنا يا حبيبي

من ساحل الكورة صعدنا جبالاً وقمماً تليها جبال وقمم. فكنا نمتطي الطرقات الصاعدة بسيارة جيب الى قلب لبنان القديم في قضاء بشري ووادي قاديشا السحري، وتوقفنا في "بقاعكفرا بلدة القديس شربل ترحب بكم". في هذه القرية الصغيرة هواء ناشف صحي وغيوم تحاكي أقدام السفح وبيوت أثرية من الحجر. ووقفنا أمام مقام القديس مار شربل ننظر في الطبيعة المهيبة حيث النسور حلّت مكان العصافير لعلو المكان. وأمامنا ظهرت بلدة بشري. ومن نافذة المقام تذكرت معنى أغنية فيروز وخشوع كلماتها: "عاتلالك عجبالك ركعت وصلّيت... هون السما قريبي تسمعنا يا حبيبي".

ثم وصلنا متحف جبران في بشري - بيت محفور في الصخر تغطّي مدخله النباتات المتسلقة وتقصده في معبر صخري ضيّق في شرق البلدة. لقد وجدنا جبران خليل جبران حيّاً، يحاكينا من كتبه ولوحاته الخالدة وأشيائه الخاصة التي حواها المتحف. وفي الداخل جلس حافظ المتحف الأستاذ وهيب كيروز.

لقب استاذ هنا ليس "لشوفة الحال" بل مصدره أنّ الاستاذ وهيب كان فعلاً أستاذ مدرسة ومعلّم أجيال من أبناء البلدة. قال لنا إنّ الزوار قلة هذه الأيام "بسبب الصقعة" (أي الصقيع). ولكن في الربيع والصيف الزوار بالعشرات والمئات من مدارس لبنان ومن سيّاح ومغتربين.

تحدّث الأستاذ وهيب عن عمله في المتحف والدراسات التي أعدّها بنفسه عن أشهر شخصية بشراوية، جبران خليل جبران. طبعت الكتب التي أعدها الأستاذ وهيب "اللجنة الدولية لتخليد جبران خليل جبران"، وقدّم لي نسخة من آخر كتاب له.

متحف جبران.

جبران حيث ترقص الملائكة

لفت نظري فيض معرفة الأستاذ وهيب عن جبران، وشجعّني على طرح المزيد من الأسئلة، حيث شرح الأعمال الفنية وأعطى نظرة المتخصص والباحث. ثم قال إن طبيعة بشري تنتج عباقرة، وكل عام يلد في بشري شخص بعقل وموهبة جبران ولكن ليس لدى الجميع الفرصة السانحة والإمكانات لترجمة هذه العبقرية. واحترمت رأي الاستاذ وهيب الذي له علاقة بعاطفته تجاه بلدته أكثر ممّا هو معلومة. ذلك أنّ هيبة بلدة بشري وشخصيتها النافذة على هذه الجبال الشامخة، ونفسية أبنائها الصادقة تبرّر مثل هذا الشعور. وأيضاً لأنّه من الضروري للاستاذ وهيب أن يثير الشجاعة والحماس في نفوس الجيل الجديد ليتطلّعوا أن يكونوا مثل جبران، ولا بأس أن يقرن ذلك بطبيعة ما في بشرّي لعلّه خليط رائحة الأرز والهواء العليل.

تأملتُ لوحات جبران في 12 غرفة وفيها ملائكة ترقص وأجساد عارية بريئة وحولها مرتفعات الجبال تماما كالطبيعة المحيطة بمنطقة بشرّي. وفي إحدى الغرف رأينا مدفن جبران وسريره وخزائن وفيها أغراضه ومكتبة مليئة بكتب جبران الخاصة ومراجعه ومعظمها باللغة الانكليزية عن الأدب والفلسفة والشعر والتراث اليوناني وأساطير الشرق وبعضها عن الهند ودياناتها، ولوحات فنية رسمها صاحب كتاب "النبي" ولكن لم أرها في كتاب منشور له.

لعل جبران في مشغله الفني في باريس في أوائل هذا القرن أو في الاستديو الحرفي في نيويورك وبوسطن في أميركا كان يملؤه الحنين الى بشري وجبلها ويتذكر أيام الخريف القاتمة وأيام الشتاء الباردة في وطنه فتنعكس المشاعر على لوحاته وترى أرواحاً متجسدة فيها لا تلعب إلا في القمم مع النسور الشامخة ولا ترقص إلا في أحضان الطبيعة المتقشفة الجرداء في الأعالي.

ربيع كيروز عشرون عاما من الشغف، وتستمر الحكاية


عشرون عاماً مرّت وكأنها شريط سينمائي بالأبيض والأسود يروي حكاية شغف بالفن، ويترجم عشقاً بالمرأة ويروي حكاية بلد صغير، انتج عملاقاً في مجال الإبداع والخيال الذي لا يعرف حدوداّ. لقد انضم المصمم العالمي ربيع كيروز  رسمياً الى حلقة المبدعين في الهوت كوتير والتي لا تحوي إلا اسماء قليلة من التي تغص وتضجّ بها الساحة المحلية والعالمية وتأخذ حجماً في وسائل الإعلام لدينا  أكثر مما ينبغي. التقينا بالمصمم ربيع كيروز في دارته الجديدة في الجميزة، وللمناسبة قام المصمم المبدع بتغيير اللوغو مركزاً على حرف R اي الراء بالأجنبية ليترجم العودة واستعادة الماضي وأيقوناته بروح متجدّدة فمن ليس له ماضٍ، لا حاضر له!  وفي هذه المناسبة عبر المصمم في حوار خاص أعددناه احتفالاً بمرور عشرين عاماً على الدار في لبنان عن مدى سروره بمسيرته كمصمم انطلق من لبنان الى العالمية، فقال: "منذ عشرين عاماً بدأنا، ومنذ عشر سنوات حقّقنا حلم افتتاح مقرّ لنا في باريس، ;كنّا ثلاثة أشخاص عندما زرنا لأول مرة المقر الذي سنفتتح فيه في باريس، واليوم بتنا ثلاثين شخصاً هناك، واليوم غدا هذا الحلم حقيقة بفضل فريق العمل والصحافيين الذين آمنوا بي، فلهم أقول شكرا".نجدها من مربع ومستطيل، فاللغة باتت عالمية والأشكال الهندسية لطالما الهمت هذا 

يستعيد ربيع كيروز مخزون عشرين عاماً ويقول:" أدين بجمال البدايات الى أول عروس قصدتني، لأنها وثقت في من دون أن ترى تصاميمي وكانت بداية المغامرة... لا زلت أذكر الخوف الذي كان ينتابني عندما أُظهر أول رسم للفستان للعروس، وأول رجفة قلب عندما أعتلي الخشبة...وهو أمر جيد لأن إحساس المرة الأولى الذي يرافقنا يدفعنا الى الأمام، فهذا القلق الدائم هو الحافز للتقدّم...

آخر مجموعة لي أسميتها "الحمد الله" وأنا ممتن لكلّ من عملي معي... لتلك الأيادي الصغيرة التي ترجمت أفكاري وممتن للأربعين فرداً من عائلتي الذين رافقوني في مشواري... وأنا ممتن لرئيسة تحرير فوغ الفرنسية سوزي منكيس لأنها قارنتني بمهندس الديكور، وأنا أعتبر أنّ الفستان هيكل جميل لا يحتاج الى زخرفة... العمل في لبنان مغامرة جميلة فنحن محاطون بأناس طيبين وكان يمكنني البقاء في باريس ولكن ثمة مغناطيساً يشدّني الى لبنان ولا أندم أبداً على البقاء فيه فلبنان بلد يربّي لنا أجنحة ويرفعنا الى العالمية...

في العام 2009 استقبلتني نقابة الأزياء في باريس وبعد عشر سنوات بتّ عضواً دائماً في قريق من المصممين الراقيين المحصورة بٍ 17 مصمماً فقط. مصدر إيحائي من روحي الشرقية ومن شمس بيروت وأنفذ تطريز الخيط في لبنان وكل الطلبات التي تردني من البلدان العربية... لا تتصورون فرحتي بأن عائلة ربيع كيروز باتت تحت سقف واحد وأتأثر عندما تقولون لي بأنني قدوة ومنذ عشر سنوات أسست مع تالا حجار مؤسسة ستارتش لدعم المواهب الجديدة وأطمح الى العمل على تطوير ودعم الحرفيين فنحن لا أتصور نفسي اصمم في ساحة لوحدي، فبرأيي ما في واحد يلعب وحدو بالساحة، بيزهق!".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard