الحلقة المفرغة من التوتّر الروسيّ الغربيّ ... قابلة للكسر؟

15 تشرين الأول 2018 | 13:53

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيسة الوزراء تيريزا ماي ورئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك - "أ ف ب"

بعد الاّتهام الذي وجّهته لندن إلى موسكو بتسميم الجاسوس سيرغي سكريبال على أراضيها، انزلق الغرب وروسيا في حملة متبادلة لطرد الديبلوماسيّين، فطردت الولايات المتحدة وحدها 60 ديبلوماسياً قبل أن تردّ عليها روسيا بالمثل. على الرغم من ذلك، بذل زعماء أوروبيون بعض الجهود لتخفيف التوتّر، فزار الرئيس الفرنسي إيمانويل #ماكرون سانت بطرسبورغ في أيار الماضي حيث التقى بنظيره الروسيّ فلاديمير #بوتين، ثمّ عاد ليزور موسكو في تمّوز خلال نهائيّ بطولة كأس العالم. كذلك، استقبل بوتين المستشارة الألمانية أنجيلا #ميركل في أيّار، ليردّ لها الزيارة في آب. 

بالرغم من أنّ #باريس و #برلين غير مستعدّتين لرفع العقوبات عن موسكو بسبب ملفّ القرم، تبدو لافتة للنظر محاولاتهما مدّ الجسور مع موسكو فيما لا تزال #لندن شبه وحيدة في أوروبا من حيث رفض تواصل كهذا. حتى واشنطن التي يحاول الرئيس الأميركي دونالد #ترامب إيجاد مقاربة جديدة للتعاون مع الروس في مسائل مختلفة، فرضت في آب الماضي مزيداً من العقوبات على موسكو بسبب ملفّ سكريبال. وكانت تلك العقوبات بحسب الخبراء هي الأقسى منذ بداية عهد الإدارة الحاليّة. وبحسب ما تبيّن من الردود الداخليّة على قمّة #هلسينكي، بدا فعلاً أنّ الكونغرس ومسؤولين آخرين في الإدارة متّجهين لإبداء مزيد من التشدّد حيال الكرملين.


هندسة أمنيّة جديدة

بما أنّ شرق ووسط أوروبّا شكّلا أحد أبرز الانعكاسات الماديّة للتوتّر الثنائيّ في الماضي القريب وفي الحاضر على حدّ سواء، رأى البعض أنّ الحلول الفعليّة لمعالجة هذا التأزّم تنطلق من إيجاد خطّة جديدة لتسوية أميركيّة روسيّة في هذه المنطقة بالتحديد.

الباحث البارز في "معهد بروكينغز" مايكل أوهانلون شرح أنّ بوتين يريد نفوذاً في دول هي في الأصل لا تنتمي إلى الناتو وليست مغطّاة بأي ضمانات أمنيّة أميركيّة لكنّه يخاف من أن تصبح في يوم من الأيّام تحت إحدى هاتين المظلّتين. من هنا اقترح أنّ يتمّ إجراء هندسة أمنيّة جديدة لدول وسط أوروبا تقوم على احترام سيادة شعبوها في اختيار أنظمة حكمها الخاصة وقياداتها السياسية وعلاقاتها الديبلوماسية وتكتلاتها الاقتصادية. وبينما طالب بألّا يتوسّع الناتو أكثر، شدّد على أنّ الهندسة الجديدة يجب أن تحثّ روسيا على الالتزام بضمان أمن دول مثل أوكرانيا وجورجيا ومولدوفا وغيرها. وأضاف أيضاً أنّه يجب أن يتمّ وعدها باحترام توجّهاتها الاقتصاديّة والديبلوماسيّة.


توصيف آخر للمشكلة

من الواضح أنّ هذه المقترحات لم تجد سبيلها إلى التطبيق. فالناتو لا يزال يتوسّع شرقاً فيما تستمرّ الحرب الروسيّة الأوكرانيّة، إضافة إلى خلافات أخرى مرتبطة بالطاقة وبالهجمات السيبيريّة في هولندا مثلاً وغيرها. لذلك، يرى مراقبون أنّ أوروبا الوسطى أو الشرقيّة ليست مكمن المشكلة كما اقترح أوهانلون.

تطرّقت الصحافيّة ناتالي نوغايرَد في مقالها ضمن صحيفة "ذا غارديان" إلى ما تعرّضت له هولندا مشيرة أنّ هذا يعني عدم جواز اعتبار استراتيجية بوتين قائمة فقط على إبقاء الدول السوفياتية السابقة في الفضاء السياسيّ لروسيا. عوضاً عن ذلك، تحاول موسكو تقويض المؤسسات على امتداد أوروبا، ذاكرة أيضاً اليونان التي استنكرت التدخّل الروسيّ في شؤونها الداخليّة بشأن الخلاف مع مقدونيا حول التسمية الجديدة. وأضافت أنّه حين تعرّضت أستونيا لهجمات سيبيرية قاسية سنة 2007، قلّة فقط في برلين أو باريس قلقت من أن يمتدّ هذا الأمر إليها. لكن اليوم، إنّ دولاً صغيرة بدون تاريخ متوتر مع موسكو يمكن أن تجد نفسها مستهدفة كما كتبت.


مقاربة ثلاثية الأبعاد

يمكن أن تكون قضيّة سكريبال والعقوبات الأميركيّة واتهام سوريا باستخدام السلاح الكيميائيّ قد ساهمت في تقليص المساحات المشتركة التي اعتاد الطرفان من خلالها مناقشة خلافاتهما في السنوات السابقة، بحسب ما رآه إيفان تيموفيف من "منتدى فالداي" الروسيّ. لكن وفقاً للبعض يمكن تخطّي هذه الخلافات، ولو بشكل غير كلّيّ، من أجل الحفاظ على الحدّ الأدنى من التواصل من الطرفين.

في هذا الإطار، يفتح ما طرحه البروفسور في المعهد الحربيّ البحريّ الأميركيّ نيكولاس غفوسديف باباً محتملاً للحلّ. فهو يرى أنّ روسيا مستعدّة لاستخدام كلّ ما هو متاح لتغيير أسس النظام العالميّ وبالمقابل، ينظر الغرب إلى موسكو من زاوية ما "يجب" أن تفعله: فالأوروبيّون إجمالاً يقولون بطريقة متفاوتة إنّ روسيا "يجب" أن تكون شريكة بغضّ النظر عن سلوكها، بينما ترى واشنطن أنّه "يجب" على سلوكها التوافق مع القيم الغربيّة. يضيف الباحث أنّ مقاربة ثلاثيّة الأبعاد تقوم على "التعاون – التنافس – المواجهة" قد تكسر هذه الحلقة بين الأطراف الثلاثة بشرط أن تكون محسوبة النتائج في حال المواجهة. وتقوم المقاربة على الاعتراف بأنّ العداء بين الطرفين يمكن تفاديه لكن مع تجنّب السعي لعقد شراكة بأيّ كلفة.

لكن ما الذي يضمن تجاوباً روسيّاً في حال اعتمد الغرب أكثر على ضلعي "التعاون" و"التنافس" في مثلّث العلاقات الجديد الذي اقترحه الباحث؟ قد لا تكون ضمانة كهذه متوفّرة حاليّاً، وقد تكون مرتبطة بمسار جديد محتمل تحاول دول أوروبية بناءه مع موسكو. على أيّ حال، لا يرى غفوسديف احتمالاً كبيراً لتطبيق واشنطن هذه المقاربة اليوم لأنّها تتطلّب ليونة غير موجودة لديها حاليّاً. تقوم هذه الليونة على إمكانيّة فرض أو رفع العقوبات بحسب المتطلّبات لكنّ الكونغرس لا يريد إعطاء ترامب هذه الصلاحية حالياً. فهل يتغيّر هذا الموقف بعد حوالي شهر من اليوم؟

بالأرقام: هل دخل لبنان مرحلة الخطر صحياً واقتصادياً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard