مشاهدات بيروتية

14 تشرين الأول 2018 | 11:43

هالني عدم اكتراث سائقي السيارات للضوء الأحمر في شوارع بيروت الرئيسية، وكأنّ إشارات السير لا أهمية لها مع أن وظيفتها تنظيم الطرق والمحافظة على حياة الناس. انتظرت الضوء الأخضر للمشاة لأعبر إلى الرصيف المواجه. سائقة جيب "بي أم. دبليو" لم يعجبها أخذي لحقي، فأخذت تزمّر وتقول أشياء لم تلتقطها أذناي. واكتفيت بأن أشرت لها بيدي إلى الضوء الأحمر أمامها بينما هي تريد أن تواصل سيرها وتدهسني ربما.

**

صديق من زحلة دعاني إلى الغداء وأرسل سيارة تقلني من بيروت. سألني وأنا القادم من كندا إذا كان ثمّة مكان أودّ زيارته في وادي البقاع. وحط الرأي على قلعة راشيا الوادي التاريخية حيث اعتقل الفرنسيون قادة البلاد عام 1943. أدهشني ازدهار القرى والبلدات في الطريق الممتدة من زحلة إلى راشيا. وأعجبتني السيّدة المرشدة السياحية وهي من آل ناجي بشرحها عن تاريخ القلعة عبر العصور وسلوكها المهذّب. واتجهنا بعد ذلك إلى مطعم في قاع القرية يقدّم أطعمة فولكلورية. وعلى إحدى الجدران لائحة كُتب عليها: "نرجو من الزبائن الكرام عدم الغناء في الصالة". فاغتنمت فرصة مرور صاحب المطعم وسألته عن مغزى هذه العبارة. إذ توقّعت أنّ المطاعم تطلب من الزبائن عادة عدم التدخين مثلاً. فقال إنّ من عادة روّاد مطعمه بالذات وبعد تناولهم بضع كؤوس من العرق والنبيذ البقاعي أن يرندحوا بقصائد الزجل والردّات. وبعض هذا الغناء ذي مضمون سياسي يحيّي زعيماً أو حزباً أو يشتم غريم هذا الزعيم أو ذاك الحزب. وقد يصادف أن يكون زبائن آخرون على طاولة أخرى وهم على غير هوى المغني فيشتبك الطرفان. وقد يختار شبّان يجلسون معاً المبارزة بقصائد الزجل بصوت عال فيزعجون حبيبين على طاولة مجاورة يريدان الهدوء والتأمّل.

***

بعد فراغي من التجوال في معرض الكتاب في البيال، اخترت السير بمحاذاة البحر صوب كورنيش المنارة. نهار مشمس ومنعش ومناظر رائعة للبحر الأبيض المتوسط. كثيرون يمارسون هواية الهرولة أو المشي. ورصيف الكورنيش واسع ونظيف يغطيه بلاط مربّع فاخر، وأعمدة النور حديثة ولافتة. استغرقتني الجولة ساعتين صادفت خلالها أطفالاً ونساءً يطلبون صدقة. فكلما استوقفني أحدهم أو إحداهن أعطيته ألف ليرة (أي أقل من دولار). إذ ليس لي أن أقرّر مَن يستحق ومَن لا يستحق، وكل من طلب وجد ولو القليل. ثم تذكرت صديقاً لي يعمل في الجامعة الأميركية في بيروت واتّجهت لملاقاته صعوداً عبر درج قديم يوصلني إلى شارع بليس. وعلى الدرج كانت ثمّة سيّدة طاعنة في السن تمدّ يدها للمارة وتجلس على الأرض. وقفت قربها واستغرقني بعض الوقت لأخرج ألف ليرة من جيبي وهي للمرّة الحادية عشرة هذا اليوم. وكانت السيّدة تنظر إلي وتتوقّع أن أخرج مليون ليرة . ثم وضعتُ العملة الورقية من فئة الألف في يدها وهممت بمتابعة سيري. ولكنّها تطلّعت في وجهي بنظرة أخافتني. وقالت باللهجة العامية: "يقصف عمرك! يبلا لك هالطول! بسّ ألف"؟

لم أرد عليها ولم ألتفت بل أسرعت في خطاي وأنا أفكّر في معنى "يقصف عمرك" لأنّه ذكّرني بقصف المدافع في حرب لبنان والموت اليومي في بيروت.

إذ هكذا قُصف عمرنا صغاراً من بيروت إلى كندا دفعة واحدة ولم أحتج إلى كلام بمثل هذه القسوة بعد.

**

في حفل غنائي في قصر الأونيسكو سررتُ بالحشد الذي فاق الألف شخص معظمهم دون الثلاثين ومئات منهم دون العشرين. وباستثناء المسرح المُضاء أمامنا كانت القاعة حيث يجلس الناس مظلمة، ولكنّ القاعة تزيّنت وكأنّها شجرة ميلاد بعشرات "الآي-فونات" التي أضاءها أصحابها لتفقّد الرسائل الإلكترونية. ما أثار فضولي إذا كان هؤلاء يستمعون للأغاني أم يتابعون نشاط فايسبوك وواتس آب وإنستاغرام.

***

صدمتني المساحة التي يحتلها مبنى السرايا حيث مكتب رئيس الوزراء وكذلك مبنى البرلمان ومكاتبه وانسداد الطرق التي تؤدّي إلى كل منهما. وهالني أنّ الوسط التجاري يتعطّل ويصاب بازدحام سير لا يحتمل كلّما التقى النواب.

لماذا لا ينتقل رئيس الحكومة والبرلمان إلى خارج بيروت لتصبح مساحات وسط العاصمة متاحف وحدائق للمواطنين؟


***

السيارة تنحدر من المديرج باتجاه شتورة وعلى جانب الطريق لافتة عملاقة لا يمكن تجاهلها لضخامتها، في جانب منها صورة شخصية دينية رفيعة في وضع خاشع وتحته كلمة "نؤمن" ويجاوره بالضبط صورة عملاقة لسيقان طويلة عارية لفتيات لشركة جرابات شفافة.

**

سررتُ بمشاهدة نساء الشرطة في بيروت وقلتُ في نفسي عقبى لمراكز عليا في الشرطة وأيضاً في الإدارات العامة ومجلس الوزراء وكوتا نسائية في البرلمان. كما لفت نظري قلّة دوريات الشرطة إسوة بمدن أميركا الشمالية وأوروبا حيث مشاهدة الشرطة جزء من الحياة اليومية. وبالمقابل لاحظتُ في بيروت كثرة رجال في بذات عسكرية من شركات حراسة خاصة.

**

دعوتُ صديقاً عبر الخليوي لتناول القهوة قبل سفري، فقال إنّه في زيارة لأصدقاء بالأشرفية وسيعود في الخامسة بعد الظهر. ثم اقترح أن يكون شرب القهوة عنده في البيت لا في مقهى. فوافقت على مضض لضيق الوقت. ثم حضرت إلى منزله فلم أجده وانتظرت خارجه بضع دقائق ثم اتصلت به مجدّداً بأنّ لدي مواعيد أخرى وسألتقيه في ما بعد. فأصرّ بأن أنتظر وأنّه وصل وهو يركن السيارة وحسب. ولكن ما إن انتهى الحديث الهاتفي حتى شاهدته يفتح باب منزله من الداخل ويخرج عليّ بالبيجاما وهو لم يعلم أني كنت أمام الباب. ولم أعلّق كيف يكون بالأشرفية بينما هو نائم في منزله طوال هذا الوقت.

وصديق آخر أصرّ أن نلتقي وضرب لي موعداً في مكتبه الإعلامي في الوسط التجاري. ثم تركني أشرب القهوة ليعمل على الكمبيوتر أمامه. فشربتها بسرعة وأعلنت رغبتي في الذهاب. ولعلّه أحسّ بخطأ ما ارتكبه، فمشى معي إلى خارج المبنى. ثم ونحن على الرصيف، التقى زميلاً له وأخذا يتحدثان دون أن يخطر في بال صديقي أن واجبه الأخلاقي أن يقدّمني له أو أن يعتذر لزميله ويقطع حديثهما لإنشغاله معي.

**

صديق دعاني إلى مطعم فخم في الوسط لتناول وجبة الغداء. أتى النادل لأخذ الطلب. فاخترت ما أرغبه وكان محدوداً ويكفيني. ولكن النادل أخذ يرمقني بشذر، حتى فهم صديقي ما يحصل وأخذ القائمة منّي واعتذر للنادل: آسف ميتر! صديقي من كندا ما بيعرف". ثم أطال في شرح الطلبيّة والميتر يسجّل كالطبيب، ليعود بعدد وفير من الصحون. وشكوت أمام الميتر: لمَن كل هذا الطعام الذي يكفي لكتيبة جيش؟ فابتسم مجيباً - بنصر مستور وبلهجة المعلّم لتلميذه -: أستاذ هيدا للعين بس. وتشارك الميتر هو وصديقي في ضحكة يفهمها أولاد البلد.

**

ركبتُ سيارة تاكسي من الحمرا إلى السيوفي واتفقنا على 10 آلاف ليرة. ولمّا وصلنا ردّ لي 5 آلاف من عشرين. وعلّل تغيير التسعيرة بـ"عجقة السير". وكنتُ على موعد في جديدة المتن فأوقفت تاكسي في الحمرا وذكرت له العنوان فقال "تفضل". واتفقنا على تسعيرة 20 ألف ليرة. ولكن بعد وصولنا إلى مفترق جديدة - المتن وجدته يواصل السير على الأوتوستراد ويصل مفرق أنطلياس. فطلبت منه التوقف ولفت نظره فقال وكأنه ينهرني: فكرت حضرتك تعرف المكان.. فأجبته ولكن أنت سائق تاكسي وقلت لي تفضل عندما أوقفتك وذكرت لك المكان. ثم شرحت له كيف يتجه إلى ساحة جديدة المتن حيث الساعة المعلقة ولكنه أضاع الطريق ووصل إلى مفترق نحو اوتوستراد يؤدي إلى حازمية. فطلبت منه أن يقف وخرجت من السيارة قبل أن نبتعد كثيراً. وفيما أنا أسير رأيت شاباً جالساً على كرسي أمام مبنى وسألته عن جهة ساحة الجديدة. فقال إنها بعيدة وأوقف شوفير تاكسي وقال له: بتوصل الاستاذ ع ساحة الجديدة وبتاخد ألفين بس. ثم فتح لي هذا الشاب باب السيارة وودعني. لا يخلو البلد من أصحاب النخوة.

**

صعوداً من جوار مبنى كونكورد وقبل أن أعطف الشارع، توقّفت عن المشي بسبب ضيق الرصيف ليعبر أمامي سرب من ست فتيات يحمل كل منهن آي- فون، لا تنظرن أمامهن ولا تتكلمن مع زميلاتهن. بل تكتبن بأنامل دقيقة آخر "واتس آب".

• هذه مشاهدات عابرة للكاتب اللبناني الكندي كمال ديب سجلها في زيارته الأخيرة. قد لا يكترث لها المقيمون ولكنّها تحرّك الحاجبين لدى الزائر.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard