هل ينظر بوتين أيضاً إلى "سوتشي" على أنّه "إجراء موقت"؟

11 تشرين الأول 2018 | 18:20

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب إردوغان يلتقيان في سوتشي، 17 أيلول 2018 - "أ ف ب"

أشارت خطوة سحب السلاح الثقيل من المنطقة العازلة في #إدلب إلى أنّ الاتّفاق الذي توصّل إليه الرئيسان فلاديمير #بوتين ورجب طيّب #إردوغان الشهر الماضي قابل للديمومة. توجّب سحب السلاح الثقيل من المنطقة العازلة (15-20 كيلومتراً) بحلول 10 تشرين الأوّل على أن يتمّ حلّ المنظّمات المتطرّفة وعلى رأسها "هيئة تحرير الشام" بحلول الخامس عشر من هذا الشهر. لم يمرّ تطبيق هذا البند من دون تململ أبدته فصائل المعارضة المسلّحة قبل أن تعود وتقبل بالأمر الواقع الذي فرضه الاتّفاق بدفع من #أنقرة. وكان "المرصد السوري لحقوق الإنسان" قد أشار منذ يومين إلى أنّ المنطقة صارت شبه خالية من السلاح الثقيل.

ويوم أمس، أعلنت وزارة الدفاع التركيّة في بيان أنّ "تركيا تحمّلت مسؤوليّتها بصفتها دولة ضامنة ... في هذا الإطار أُنجِز سحب السلاح الثقيل من المنطقة المنزوعة السلاح في إدلب في 10 تشرين الأوّل". أتى هذا البيان بعد ساعات على قول الرئيس السوري بشّار #الأسد إنّ المحافظة "ستعود إلى كنف الدولة السوريّة" واصفاً الاتّفاق في الوقت نفسه، بأنّه "إجراء موقّت". إنّ تنفيذ هذا البند من الاتّفاق يكشف الفصائل المعارضة بشكل كبير أمام القوّات السوريّة في حلّ قرّرت #دمشق و #طهران و #موسكو شنّ عمليّة عسكريّة واسعة في المدى المتوسّط. لكن علامَ ستعتمد روسيا لاتّخاذ قرار كهذا؟

الإصرار على استعادتها ... أسباب وإمكانات

بالنسبة إلى الأسد، لا تتعلّق استعادة محافظة إدلب بالخيارات العسكريّة المتاحة عقب تنفيذ بنود #سوتشي وحسب. بل قد يكون الأمر مرتبطاً بعدد من النقاط الاستراتيجيّة التي تحتّم عليه التحرّك عسكريّاً بغضّ النظر عن صعوبة المعارك المحتملة على الأرض. ترى صحيفة "لوموند" الفرنسيّة أنّ إدلب باتت تضمّ جميع التنظيمات المرذولة من حكومة دمشق كما أنّ الجهاديّين تمكّنوا عبر معبر باب الهوى من الدخول إلى المحافظة ومنها إلى #سوريا. علاوة على ذلك، تجاور إدلب محافظة اللاذقيّة أحد المعاقل الأساسيّة لمؤيّدي النظام ولهذا السبب، لن يقبل الأسد ببقائها خارج سيطرته، إضافة إلى أنّ هذه المحافظة تضمّ طريق أم-5 السريع والاستراتيجيّ. غير أنّ الصحيفة تشير إلى صعوبة استعادة الجيش السيطرة على المحافظة بوجود مقاتلين مستعدّين للدفاع عنها وأراض زراعيّة قادرة على حماية المواطنين من الجوع في حال الحصار.

ما ذكرته "لوموند" كان قريباً في المضمون ممّا كتبته بيثان ماكيرنان في صحيفة "ذا غارديان" البريطانيّة. فقد لفتت النظر إلى أنّ الأسد يضع نصب عينيه استعادة المحافظة لكنّ روسيا وإيران تبتعدان عن آخر مراحل الحرب في سوريا ممّا يترك الجيش السوريّ "ضعيفاً جدّاً لإنهاء المهمّة على طريقته". وقد تمّ إلغاء فترة العفو كي يعيد الطلّاب الراسبون سنتهم من أجل دفع المزيد من الشباب إلى الانخراط في الجيش السوريّ ممّا يعزّز صفوفه لشنّ الحملة العسكريّة ضدّ إدلب. لكنّ الكاتبة شكّكت في قدرة مقاتلين من الطلّاب أو المسلّحين الذين انخرطوا في المصالحات على خوض معارك فعّالة فيما أصحاب الخبرة القتاليّة الحقيقيّة في الجيش منهكون من سنوات الصراع الطويلة كما كتبت.


مؤشّرات لفهم النوايا الروسيّة

حتى الأسبوع الثاني من أيلول، كان الإيرانيّون والروس يبدون جميع الاستعدادات الميدانيّة لشنّ العمليّة العسكريّة. فهل غيّر اتّفاق سوتشي رأي هؤلاء نهائيّاً حول شنّ هجوم موسّع على إدلب؟ تجيب ماكيرنان على سؤال "النهار" بالإشارة إلى أنّ المعطيات تفيد بوجود "مصلحة صغيرة جدّاً من طهران أو موسكو بالالتزام بهذا الصراع". وأضافت: "لكن عندها، إذا رفضت هيئة تحرير الشام التخلّي عن السلاح، فقد تجعل المعركة حتميّة". وتعتقد مراسلة "ذا غارديان" لشؤون تركيا والشرق الأوسط أنّه طالما أوتوستراد أم-5 لا يزال مفتوحاً، يمكن للنظام أن يتعايش مع بقاء إدلب في الوضع الذي هو عليه، "حتى الآن"، مشيرة إلى أنّ الأسابيع القليلة المقبلة يمكن أن تكشف الجواب حول هذا الموضوع.

قد يفضّل الروس في هذه الأثناء مراقبة الوضع لمعرفة كيف يمكن لتركيا أن تعالج ملفّ المجموعات المتطرّفة. لكن بالرغم من ذلك، ربّما لا يسمح وضع موسكو في سوريا بالاسترسال في مراقبة التطوّرات، إذ تتعرّض روسيا لضغوطات كبيرة بسبب الوضع في إدلب أو خارجها، خصوصاً أنّه لم يمرّ شهر كامل بعد على إسقاط الطائرة الروسيّة إيل-20 ومقتل 15 جنديّاً كانوا على متنها. بناء على ذلك، لا تعبّر سوريا اليوم عن مشكلة أحاديّة الأبعاد محورها إدلب وحسب.

بحسب مدير مركز مكافحة التطرّف والإرهاب في "معهد الشرق الأوسط" تشارلز ليستر، إنّ كلفة نزاع شامل هي واضحة بالنسبة للجميع، لكنْ هنالك مفسدون كثر للتهدئة. وأوضح في موقع "وور أون ذا روكس" الأميركيّ أنّ من بين المفسِدين خلايا داعشيّة متنامية تريد زرع الانقسامات داخل المعارضة. والأمر نفسه ينطبق على مقاتلي القاعدة المصمّمين على رفض الاتّفاق الموقّع من قبل القوى "المرتدّة" والذين شنّوا هجمات قاتلة في اللاذقيّة. كذلك، تمّ إطلاق حوالي 20 عمليّة "درونز" انتحاريّة من غرب إدلب لاستهداف مقرّات روسيّة في #حميميم و #اللاذقيّة ممّا قد يقنع موسكو بحاجتها لدعم النظام في ضرب إدلب. لذلك، يتابع ليستر، إن أطلقت روسيا توصيف "الإرهابيّين" على كلّ المجموعات داخل المحافظة من دون حصرها ب "هيئة تحرير الشام" والقاعدة، فيجب على المرء افتراض أنّها لا تزال تعدّ لحملة عسكريّة كبيرة.

تبيّن هذه التطوّرات أنّ اتّفاق سوتشي لم يزل الضبابيّة المحيطة بمصير إدلب وأنّ التعقيدات المتشابكة في هذا الملفّ لم تبدأ بالتفكّك على الرغم من إنجاز مهمّة سحب السلاح الثقيل من المنطقة العازلة في موعدها. ربّما ليس ذلك غريباً عن النزاع السوريّ الذي كلّما طوى فصلاً أقبل على فصل أكثر تعقيداً من سابقه.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard