سيّداتي سادتي تعرّفوا إلى Serge

10 تشرين الأول 2018 | 16:23

المصدر: "النهار"

تعرّفوا إلى Serge.

التقيتُه للمرّة الأولى في المترو. لفتني منذ النظرة الأولى، ورسم الابتسامة على وجهي.

إنه فارس المترو وحاميه وحافظ أسراره وأهله.

كان المترو بالنسبة إليّ، أنا القادمة من منحدرات جبال لبنان، كائنًا مذهلاً عجيبًا مخيفًا بأصواته وروائحه وثوراته. كانت الوجوه داخله مهيبة حانقة مثيرة للحيرة.

وحده Serge كان الطيف الظريف الذي أضحكني في كلّ مرّة نظرتُ فيها إليه. دائمًا بقميصه الأصفر وسرواله الأزرق. لم أعهده بهيئة مختلفة. وجهه أليف، عيناه جاحظتان وأذناه طويلتان دائمتا التوتّر. يضع نفسه في مواقف مقلقة لمجرّد لفت الانتباه والتحذير.

لديه دائمًا جمل مفيدة يقدّمها بلغات مختلفة. "إنتبهي إلى أصابعك". "إنتبهي إلى خطواتك". "إنتبهي إلى أشيائك".

أشعر به العين الحافظة الحامية. الخرزة الزرقاء التي يعلّقها سائقو الشاحنات على مراياهم في شوارع بيروت والمناطق اللبنانية.

على الرغم من أنّ صديقي Serge يملك معاني جنسيّة ودلائل إباحيّة في مجلاّت ومواقع كثيرة، إلاّ أنّه يبقى بالنسبة إليّ صديقًا عزيزًا ووجهًا أبتسم عند لقياه. على الرغم من أنّ عباراته معدودة وكلماته هي نفسها، إلاّ أنّني لا أنفكّ أفكّر في القصص التي يعرفها والتي لا عدّ لها ولا حصر.

سيّداتي سادتي، إنّه Serge.

أرنب المترو والصديق الوحيد في متاهات باريس القاتمة.

مَن يقيم في باريس يعتاد رؤية Serge على الأبواب والنوافذ وقرب السلالم الكهربائيّة.

أرنب ظريف يحذّر من الأخطار. وللأرانب حكاية طويلة مع المترويات والقطارات. فبهدف التوعية والتحذير، طالما اعتمدت الدول وسائل ظريفة ولافتة لتنبيه السوياح وروّاد القطارات إلى الأخطار المحدقة بهم. فحتّى اليابان تملك أرنبها الخاصّ الذي يتنقّل على متن قطاراتها لينبّه إلى ضرورة الابتعاد عن الأبواب عند إغلاقها وإلى ضرورة التنبّه إلى الفراغ ما بين القطار ورصيف المحطّة. بينما أرنب اليابان أبيض، Serge أكثر أناقة وتميّزًا.

ولد Serge في العام 1977 إنّما بهيئة مختلفة. خلقته شركة الـ ratp لتحذير السياح من مخاطر المترو عند ركوبه أو النزول منه ولتحذيرهم من وضع أصابعهم أمام الأبواب عند إغلاقها.

كان الهدف من Serge أن يكون لمسة تحذير لطيفة ومضحكة في جوّ مشحون بالسرعة والسكك الحديد والوجوه المتجهّمة. ثمّ تغيّرت هيئة Serge في العام 1986 واتّخذ اسمه الحاليّ تيمّنًا بـ "سيرج موري" الرجل الذي رسمه وصمّمه. فبات أرنب المترو يُعرف باسم Serge على اسم صاحبه.

وإن سألتِ باريسيًّا عن Serge وجدتِهِ يبتسم مباشرةً ويدرك عمّا تتكلّمين. فقلّة قليلة من الباريسيّين تجهل هذا الأرنب وظرافته. حتّى أنّ أحدًا منهم سيخبركِ من دون خجل بأنّه سرق "سيرجًا" من أحد القطارات وألصقه على نافذة منزله، ضربًا من ضروب التفكّه. فلكلٍّ "سيرجه".

تعرّض Serge لإعادة تصميم أكثر حداثة في العام 2014 ليكون بهيئته الحاليّة الجميلة. ففي أيّار 2014 اختير Serge جديد لإلصاقه على الأبواب الـ 24.000 الموجودة في باريس: أبواب القطارات والمترويات والـ rer. بالإضافة إلى السلالم الكهربائيّة في المحطّات. وقد تتبّعت وسائل الإعلام هذا الأمر عن قرب وتمّ التداول فيه لفترة لا بأس بها.

وبينما يُعتبر الأرنب على متن القطار أو المترو في العالم أجمع كائنًا لطيفًا طيّبًا، يرى فيه البحّارة نذير شؤم وجالبًا للطالع السيّئ. فتستبدل البواخر الأرنب اللطيف بالدبّ ليكون المحذّر وجالب الحظّ. فالأرنب في البحار عدوّ السفن ومستقطب العواصف والمصائب. حتّى أنّ البحّارة في الحضارات القديمة كانوا يتشاءمون من التلفّظ باسم الأرنب في سفنهم وبواخرهم، وغالبًا ما كانوا يجدون طريقة أخرى للإشارة إليه عند الضرورة، كالحيوان ذي الأذنين الطويلتين أو ما سواها من تعابير.

وبينما أنتِ جالسة ذات مساء في مترو باريس الهادر، غارقة في أفكاركِ وعالمكِ الصغير، تحاولين نزع التعب والنعاس عن عينيكِ، تنظرين حولكِ وتجدين أنّك بتّ وحيدةً في مقصورة المترو، فتتنهّدين بصوت مسموع وتلتفتين إلى الباب. يقع نظركِ على صديقكِ Serge الذي لا تغيبين عن عينيه، هو الحريص أبو الهمم. تنظرين إليه بابتسامته الخالدة وعينيه الواسعتين وتفكّرين في نفسكِ: كم عاين Serge من الوجوه والقصص والأحزان، كم شهد على مواقف غريبة ومضحكة! تفكّرين في نفسكِ فقط لو كان لـ Serge لسان ليحكي، لكنتِ طلبتِ منه مقابلة حصريّة يطلعك فيها على أسرار باريس. فقط لو كان Serge يتكلّم لكنتِ خلقتِ أنتِ وهو ألف ليلة وليلة جديدة.

تنظرين إلى Serge وتطلبين منه الاقتراب منكِ لتبدأي حوارًا معه. فيأتي ليجلس قربكِ وقبل أن يبدأ حديثه تسمعين اسم محطّتكِ. تهرعين إلى الباب مودّعة Serge. تعتذرين منه وتخرجين بسرعة. يلوّح لكِ بيديه وأصابعه المعدودة ويعود إلى بابه.

لا بدّ للحوار من أن ينتظر إلى المقالة المقبلة.

ربيع كيروز عشرون عاما من الشغف، وتستمر الحكاية


عشرون عاماً مرّت وكأنها شريط سينمائي بالأبيض والأسود يروي حكاية شغف بالفن، ويترجم عشقاً بالمرأة ويروي حكاية بلد صغير، انتج عملاقاً في مجال الإبداع والخيال الذي لا يعرف حدوداّ. لقد انضم المصمم العالمي ربيع كيروز  رسمياً الى حلقة المبدعين في الهوت كوتير والتي لا تحوي إلا اسماء قليلة من التي تغص وتضجّ بها الساحة المحلية والعالمية وتأخذ حجماً في وسائل الإعلام لدينا  أكثر مما ينبغي. التقينا بالمصمم ربيع كيروز في دارته الجديدة في الجميزة، وللمناسبة قام المصمم المبدع بتغيير اللوغو مركزاً على حرف R اي الراء بالأجنبية ليترجم العودة واستعادة الماضي وأيقوناته بروح متجدّدة فمن ليس له ماضٍ، لا حاضر له!  وفي هذه المناسبة عبر المصمم في حوار خاص أعددناه احتفالاً بمرور عشرين عاماً على الدار في لبنان عن مدى سروره بمسيرته كمصمم انطلق من لبنان الى العالمية، فقال: "منذ عشرين عاماً بدأنا، ومنذ عشر سنوات حقّقنا حلم افتتاح مقرّ لنا في باريس، ;كنّا ثلاثة أشخاص عندما زرنا لأول مرة المقر الذي سنفتتح فيه في باريس، واليوم بتنا ثلاثين شخصاً هناك، واليوم غدا هذا الحلم حقيقة بفضل فريق العمل والصحافيين الذين آمنوا بي، فلهم أقول شكرا".نجدها من مربع ومستطيل، فاللغة باتت عالمية والأشكال الهندسية لطالما الهمت هذا 

يستعيد ربيع كيروز مخزون عشرين عاماً ويقول:" أدين بجمال البدايات الى أول عروس قصدتني، لأنها وثقت في من دون أن ترى تصاميمي وكانت بداية المغامرة... لا زلت أذكر الخوف الذي كان ينتابني عندما أُظهر أول رسم للفستان للعروس، وأول رجفة قلب عندما أعتلي الخشبة...وهو أمر جيد لأن إحساس المرة الأولى الذي يرافقنا يدفعنا الى الأمام، فهذا القلق الدائم هو الحافز للتقدّم...

آخر مجموعة لي أسميتها "الحمد الله" وأنا ممتن لكلّ من عملي معي... لتلك الأيادي الصغيرة التي ترجمت أفكاري وممتن للأربعين فرداً من عائلتي الذين رافقوني في مشواري... وأنا ممتن لرئيسة تحرير فوغ الفرنسية سوزي منكيس لأنها قارنتني بمهندس الديكور، وأنا أعتبر أنّ الفستان هيكل جميل لا يحتاج الى زخرفة... العمل في لبنان مغامرة جميلة فنحن محاطون بأناس طيبين وكان يمكنني البقاء في باريس ولكن ثمة مغناطيساً يشدّني الى لبنان ولا أندم أبداً على البقاء فيه فلبنان بلد يربّي لنا أجنحة ويرفعنا الى العالمية...

في العام 2009 استقبلتني نقابة الأزياء في باريس وبعد عشر سنوات بتّ عضواً دائماً في قريق من المصممين الراقيين المحصورة بٍ 17 مصمماً فقط. مصدر إيحائي من روحي الشرقية ومن شمس بيروت وأنفذ تطريز الخيط في لبنان وكل الطلبات التي تردني من البلدان العربية... لا تتصورون فرحتي بأن عائلة ربيع كيروز باتت تحت سقف واحد وأتأثر عندما تقولون لي بأنني قدوة ومنذ عشر سنوات أسست مع تالا حجار مؤسسة ستارتش لدعم المواهب الجديدة وأطمح الى العمل على تطوير ودعم الحرفيين فنحن لا أتصور نفسي اصمم في ساحة لوحدي، فبرأيي ما في واحد يلعب وحدو بالساحة، بيزهق!".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard