جارة معمل الكرنتينا... أم جورج تصرخ: إلى متى سيستمر دسّ السمّ في الهواء؟

12 تشرين الأول 2018 | 12:41

المصدر: "النهار"

أم جورج جارة معمل الفرز في الكرنتينا.

"شاءت الصدفة أن أكون جارة لمعمل فرز #النفايات في الكرنتينا، الذي نغّص حياتي ودمّر صحتي. منذ سنوات وأنا اتعالج بسببه من أمراض القلب والرئتين. روائح لو نطق الحجر لقال ما هذا القرف. في الليل تفوح في الارجاء، اهرب منها الى الداخل مغلقة النوافذ والأبواب، أشغّل المراوح علّها تستطيع ابعاد ولو جزء بسيط من نتانة ما أستنشقه رغماً عني، لكن كل محاولاتي لتخفيف وطأة معاناتي تذهب سدى. أنا اليوم أسيرة قرارات الدولة التي اختارت أرضاً حاضنة للنفايات بين الأحياء المأهولة بالسكان... فالى متى ستبقى صحتنا في خطر؟"... هي صرخة أطلقتها فريدة أبي نادر أو أم جورج بعدما دفعت الثمن غالياً نتيجة غياب خطة صحية وبيئية لمعالجة النفايات.

جارة المعمل

من يقصد منزل أم جورج، لا يمكن أن يضلّ الطريق، فهي تسكن على بُعد خطوات من معمل الفرز، شرفتها تطل على ذلك المعمل الكبير المصنوع من جديد. ومع هذا، فإنّ الداخل الى الحي قد يظن بداية أنّها منطقة مهجورة سوى من الشاحنات التي تصطف فيها بالعشرات. مساحات واسعة ومحلات "خراطة" سيارات وغيرها، مع وجود بضع شجرات بقيت شاهدة على ما كانت عليه طبيعة المنطقة، لكن ما إن يمعن المرء النظر، حتى يرى العجب، بيوت سكنية متراصة مرّ عليها الزمن، تقف شاهدة على معاناة وكتمان لبنانيين يسكنونها منذ زمن، تحملوا نفايات اهالي العاصمة وروائحها الكريهة على مضض.


معمل "السرطان"

قبل الصعود الى منزل ام جورج في الطبقة الاولى من احد الابنية التي لا تزال تقاوم من أجل الصمود، تحدّث جارها عمر الخطيب لـ"النهار" عن معاناة جميع السكان من معمل الفرز، طارحاً علامات استفهام عن مشروع المحرقة وما ألمح اليه البعض عن امكان تشييدها في الكرنتينا، حيث قال: "كيف يمكن المسؤولين الجمع بين المستشفى الحكومي الموجود هنا ومستشفى سرطان الاطفال الذي تم بناؤه حديثاً مع معمل السرطان هذا؟ هل هدفهم القضاء نهائياً علينا وعلى أولادنا؟". نتابع طريقنا، نطرق باب فريدة، التي استقبلتنا وهي متكئة على عكازها، دخلنا لنسمع منها قصة سيّدة اضطرتها الحرب الأهلية اللبنانية الى مغادرة منطقتها حارة حريك والسكن في الكارنتينا.

توقع في غير محلّه

تعود أم جورج بذاكرتها الى سنوات طويلة، يوم أجبرتها القذائف على حمل ما تيسر لها من أغراض والهروب بأبنائها الى منطقة آمنة، وقالت: "كانت الكرنتينا وجهتنا، سكنّا بداية في منزل لبضع سنوات الى حين اخرجنا مالكه منه. عندها انتقلنا الى هنا، حيث اعجب زوجي بـ(السطيحة)، اذ كان في تلك الفترة مريضاً، وجدها متنفساً له؟ لكن لم اعلم انها تطل على مكب نفايات. اعتقدت بداية انه سوق ومع الايام ستتغير الحال، لكن، يا للاسف، توفي زوجي وتزوج ابنائي ولا يزال الوضع على حاله".

اثبات التهم

لم يعد باستطاعة ام جورج (83 سنة) تحمّل المزيد من الاوساخ والروائح، ومع هذا "ليس في يدي حيلة، الايجارات في لبنان مرتفعة، واعتمادي في كلّ شيء على ابني الذي يسكن معي، فهو الوحيد من بين اشقائه الثلاثة وشقيقتيه لم يتزوّج بعد. احمد الله أنّه منضم الى قوى الأمن الداخلي، حيث ضمن علاجي وأدويتي، اذ كيف كان سيتحمل كل تلك التكاليف، ولديه شهرياً بدل ايجار المنزل 350 دولاراً، عدا الكهرباء والماء والطعام؟"، قالت أم جورج قبل أن تصّر على التوجّه الى الخزانة وإحضار 3 اكياس ملئية بالأدوية، معلّقة على الأمر: "ربما هذا المشهد يعكس ما فعلته النفايات بصحتي".


إلى متى؟

لا يقتصر الامر على مكب الفرز، بل كما قالت أم جورج، "نفايات الدني كلها كانت موجودة اسفل المنزل، الى درجة اني اصبحت أكره استنشاق الهواء. دفعت من جيبي 10 آلآف ليرة لأحد العمال كي يزيلها. مهما تكلمت لا يمكن وصف ما أشعر به، وما فرض عليّ عيشه، حتى وصلت بي الحال الى إبقاء حقيبتي مجهّزة في ما لو اضطررت فجأة الدخول الى المستشفى. فهل هكذا تعامل الدولة مواطنيها؟ استخفاف واستهتار لا يحتمل، أعلم جيداً أن كلامي سيذهب سدى، لكن صرختي سجّلتها وهي صرخة كل أهالي منطقتي... فإلى متى سيستمر دسّ السمّ لنا في الهواء؟". 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard