أيقونة النضال ضد العنف الجنسي والأقليات

5 تشرين الأول 2018 | 21:19

المصدر: "النهار"


ليس منح الناشطة الأيزيدية ناديا مراد جائزة نوبل السلام ( مع الطبيب الكونغولي دنيس موكويجي) هذه السنة مجرد تكريم لنضالها ضد استخدام العنف الجنسي سلاحاً للحرب. إنه أيضاً اقرار دولي بمعاناة الاقليات في المنطقة، بما فيها الطائفة الايزيدية التي عانت أبشع أنواع الجرائم على يد "داعش"، ومن شأنه أن يعطي زخماً لملف محاسبة مقاتلي التنظيم الارهابي الذي تنشط مراد مع المحامية الدولية الناشطة في مجال حقوق الانسان أمل كلوني لاحالته على التحقيق الدولي.

لعل الشجاعة التي دفعت الايزيدية ناديا مراد للهرب من أيدي مقاتلي "داعش" الذين أخذوها سبية، هي نفسها التي دفعتها للسفر حول العالم ورواية قصتها بجرأة واجبار زعماء كبار على الانصات اليها مطالبة بمحاسبة التنظيم الارهابي على جرائمه في حق الشعب الأيزيدي، وتستحق عن جدارة جائزة نوبل للسلام.

كانت ناديا فتاة عادية لا تتطلع الى الشهرة ولا الى الزعامة السياسية. عام 2014، كانت تستعد لبدء سنتها الأخيرة من المرحلة الدراسية الثانوية. لكنها لم تكن تخطط للذهاب الى الجامعة التي لم تكن خياراً شعبياً بين فتيات كوجو، القرية ذات الغالبية الايزيدية والواقعة في محافظة نينوى العراقية، لأن ذلك كان يعني الانتقال الى إربيل أو الموصل.

ولكن كانت لناديا اهتمامات أخرى، كانت تحب تزيين شقيقاتها وأصدقائها وكانت تحلم بفتح صالون للتجميل بعد تخرجها من المدرسة. وهي كانت متعلقة كثيراً بعائلتها الكبيرة التي تضم ثلاث فتيات وثمانية فتيان يعملون في الزراعة وتربية الماشية ويعيشون في منزل متواضع.

في الثالث من آب 2014، وصل "داعش" الى كوجو، وبعد ذلك بأيام طوق مقاتلوه القرويين وفصلوا الرجال عن النساء وصادروا هواتفهم ومجوهراتهم. تابعت ناديا من الطبقة الثانية لمبنى مدرستها كيف نقل المقاتلون الرجال، وبينهم خمسة من أخوتها، بعيداً الى اطراف القرية وأطلقوا النار عليهم. كذلك، قتل الدواعش النساء المتقدمات في السن، بمن فيهن والدتها، فيما أخذت مع شقيقتيها وبنات عمها أسيرات ونساء أيزيديات أخريات إلى الموصل حيث ضربن واغتصبن مراراً على أيدي أكثر من مقاتل، في عملية ممنهجة لاستعباد الايزيديات وتلقين ايديولوجيتهم للأولاد وذبح سائر السكان.



في حينه كانت ناديا في الحادية والعشرين. حاولت مرة أولى الفرار من خاطفيها من نافذة مفتوحة، إلا أن قوتها خانتها، فوقعت مجدداً في قبضة سجانيها الذي عاقبوها باغتصابها جماعياً. ومع ذلك، لم تتردد في استجماع قواها وحاولت الفرار مجدداً عندما قال لها "سيدها" إنه سينقلها الى سوريا حيث سيبيعها لمقاتل آخر.

فعندما غادر المنزل صباح يوم من الايام، وضعت ثياباً تغطي وجهها وجسمها كانت مخصصة لنساء "داعش" وتسللت بهدوء الى الشارع. أخذت طريقاً معاكساً لاتجاه مسجد يصلي فيه مقاتلو "داعش"، وانطلقت. في الطريق، شعرت بحاجة كبيرة الى مساعدة الا أنها لم تتجرأ على طلبها. وعندما وصلت الى منطقة فيها منازل مدمرة، قررت أن تجرب حظها، واثقة من أن مقاتلي "داعش" يحتلون بالتأكيد منازل أفضل.

لم يخب ظنها. قرعت باب منزل كانت تسكنه عائلة عراقية لا علاقة لها بالتنظيم، فلم تتوانَ عن مساعدتها، ونقلها الابن البكر بسيارته الى خارج منطقة "داعش"، بعدما ادعت على الحواجز أنها زوجته.

وصلت ناديا مطلع أيلول 2014 الى كردستان العراق حيث انضمت الى من بقي حياً من عائلتها. وبعد ذلك بسنة طارت الى المانيا في اطار برنامج أطلقته ولاية بادن-فورتنبرغ لتوفير اللجوء لناجين من "داعش"، وغالبيتهم من النساء والأولاد.

يوماً بعد يوم، صارت ناديا صوتاً دولياً صارخاً لمعاناة الايزيديين وصمودهم. ففي 16 أيلول 2015 وقفت أمام جلسة خاصة لمجلس الامن وروت بجرأة قصة احتجازها وتعنيفها واغتصابها لدى "داعش". سافرت الى أكثر من 20 دولة حاملة قصتها وقصة شعبها، مطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم في حق الايزيديين. وفي المقابل، اعترف العالم بجهودها. ففي أيلول 2016، عينها مكتب الامم المتحدة للجريمة والمخدرات سفيرة للنيات الحسنة. وفي حينه، قالت المنظمة إن تعيينها هو "الأول من نوعه لواحدة من الناجيات من تلك الفظائع" التي شهدها العراق.

وفي كانون الأول من العام الماضي، منحها البرلمان الاوروبي مع رفيقتها لميا آجي بشار، وهي ناجية أخرى، جائزة ساخاروف للمدافعين عن حقوق الانسان. وتزوجت ناديا في آب الماضي من العراقي عابد شمدين، في مدينة توتغاد بألمانيا.



وأخيراً، وافق العراق على السماح لمجلس الامن بتعيين محققين مستقلين لجمع أدلة على جرائم حرب، وهي خطوة أولى في طريق محاسبة التنظيم على عمليات قتل جماعي. لكن ناشطين كثراً لا يزالون ينتظرون ليروا ما اذا كانت اجراءات حقيقية ستلي هذه الخطوة، وقت لا يزال آلاف النساء الايزيديات والاولاد في قبضة "داعش" وآلاف آخرون مهجرين، يعيشون في مخيمات بشمال العراق، ومصيرهم غير واضح.

وصرح المدير التنفيذي لمنظمة "يزدا" الناشطة للدفاع عن حقوق الايزيديين مراد اسماعيل لـ"النهار" بأن ناديا هي امرأة شرق أوسطية تنتمي الى أقلية عانت اضطهاداً وتعيش في منطقة تشهد مشاكل تتعلق بالتعايش وتفتقر فيها المرأة الى ابسط الحقوق. لذلك يعتبر منحها الجائزة رسالة عالمية عن أهمية المرأة أولاً والقضية الايزيدية ثانياً وقضية الاقليات عموماً. ففي رأيه ان المعاناة التي واجهها الايزيديون تعدّ "جريمة العصر، وإبادة جماعية"، وتكريم مراد هو اعتراف دولي بذلك "ونأمل في أن يساهم في بناء سلام للأيزيديين والمسيحيين والاقليات الاخرى في العراق وسوريا والمنطقة". كما أمل أن تحرّك الجائزة ملف المحاسبة، سواء في التحقيق الدولي الذي تتولاه أمل علم الدين، أم أمام المحاكم المحلية في العراق، وذلك لسوق المسؤولين عن الجرائم في حق الشعب الايزيدي على القضاء وبناء السلام.

كيف نحضر صلصات مكسيكية شهية للـNachos بخطوات سهلة؟

حسم 50% على إشتراك “النهار” Premium السنوي

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard