الشعر هو الفن وليس اللغة

1 تشرين الأول 2018 | 11:45

لا أكتب الشعر ولستُ عالماً بمسالكِه وأساليبِه، ولكنّي أحبّ قراءته. وهذه القراءة أصبحت هواية نمت بي منذ كنت طالباً في جامعات كندا وبقيت معي في حياتي العملية. فكنت اذا قرأت شعراً في المساءات الكندية القصيرة، فذلك لأبتعد عن جداول الاقتصاد والمعادلات الرياضية في عملي.

ولم تعد اللغة هي الهدف بل الصورة في الكلمات والمعاني وشخصية الشاعر. فقصيدة من لامارتين أو جاك بريفير من هنا، ومن بدر شاكر السياب أو خليل حاوي من هناك، ووليم ووردسورث أو وليم بليك من أوروبا. وقبل غفوتي بقليل أجد نفسي أتمعّن بالكلمات وأرى لوحة أو لقطة فوتوغرافية أرادها الشاعر.

مثل قصيدة وردسورث "قوس قزح" بأن الطفل هو أب الرجل أو قصيدته الأخرى "الحاصدة" وهو يصف الريف الانكليزي في القرون الغابرة وعبوره من واد موحش حيث شاهد امرأة تحصد وسجل الأحاسيس التي أثارها المشهد في نفسه، أو قصيدة جاك بريفير "في أي وقت نحن يا حبيبي"؟ لا أعتقد أنني أحتاج الى أكثر من سطر ليدرك القارئ مغزى عالمية الشعر والأدب. فلماذا أتعصب للغة ما وأحرم نفسي من الملذات الروحية الكبرى المطروحة في الكون. وهل اللغة أكثر من وسيلة وصل لغايات أجمل فنلجأ الى الرسم والنحت للتعبير عن مكنوناتنا التي لا تجد الكلمات؟

أعلم أن هناك من يختلف في الرأي حول اللغة كغاية نهائية. لي صديق هو أكثر تعلقاً وقراءة في الأدب العربي، وهذا واضح عندما يكتب فتخرج ديباجته رائعة مسكوبة بأحرف من ذهب. قال لي إنه لا يهتم بمحتوى النص الذي يكتبه ولا يهمه نقل المعلومات أو الأفكار أو التحليل. بل يريد رصف الكلمات الجميلة الى حد الابتعاد عن المعنى لأن اللغة هي المنتهى بنظره. ولكن ما زلت عند رأيي بأن اللغة هي صلة وصل في الكتابة والكلام والقراءة وجماليتها تخضع لجهد أبنائها فتندثر أو تزدهر عبر القرون وتتطور أو تتراجع. وكأنها مخلوق حي يحيا ويموت أما الفكرة والصورة فتخلدان الى الأبد. أين ذهب الإنجيل باللغة الإغريقية، وكيف بقيت رسالة الناصري بعد ألفي عام بكل اللغات؟

تأمّلوا معي هذه السطور من قصيدة للشاعر الانكليزي وليم وردسورث والتي يصفها الانكليز بديلاً من حبّة الأسبرين لوجع الرأس. وتتحدّث عن مشاهدة الشاعر لفلاحة وحيدة في وسط واد بعيد تُنشد لحناً جميلاً وهي تحصد الزرع وتجمعه وتحزّمه، غناؤها ألطف من شدو العندليب، مثير لمشاعر المسافرين حتى لو كانوا في آخر الدنيا أو في صحارى العرب.يقول:

The Solitary Reaper

Behold her, single in the field, Yon solitary Highland Lass!

Reaping and singing by herself; Stop here, or gently pass!

Alone she cuts and binds the grain, And sings a melancholy strain;

O listen! for the Vale profound Is overflowing with the sound.

No Nightingale did ever chaunt More welcome notes to weary bands

Of travellers in some shady haunt, Among Arabian sands:

A voice so thrilling ne'er was heard In spring-time from the Cuckoo-bird,

Breaking the silence of the seas Among the farthest Hebrides

واستمعت يوماً إلى كلمات قصيدة وضع لحنها الموسيقار الألماني فرنتس شوبرت بعنوان "شتندتشن" أو "سيريناده":

في سكون الليل بطيئة تمضي أغنيات رجائي إليكِ لترجوكِ

تنساب في البستان الهادىء: يا حبيبتي تعالي إليّ

غصون الأشجار الميّاسة ترتعش هامسة في ضوء القمر

كي لا يسمعها العزول الشرّير، فلا تخافي يا حبي

هل تسمعين أصوات طيور العندليب تتصاعد

آه! إنّها تنقل إليك شكوى تألّمي

إنّها ترجوكِ من أجلي

إنّها تدرك شوق فؤادي

وتعلم أوجاع حبي

صوتها الذهبي يحرّك كل قلبٍ أوهنه الحب

دعي صدرك يموج يا حبيبتي واسمعيني

انتظارك يهزّني... تعالي إلي لتفيض سعادتي

Serenade – Staedchen - Schubert

Leise flehen meine Lieder Durch die Nacht zu dir;

In den stillen Hain hernieder, Liebchen, komm zu mir!

Flüsternd schlanke Wipfel rauschen In des Mondes Licht;

Des Verräters feindlich Lauschen Fürchte, Holde, nicht.

Hörst die Nachtigallen schlagen? Ach! sie flehen dich,

Mit der Töne süßen Klagen Flehen sie für mich.

Sie verstehn des Busens Sehnen, Kennen Liebesschmerz,

Rühren mit den Silbertönen Jedes weiche Herz.

Laß auch dir die Brust bewegen, Liebchen, höre mich!

Bebend harr' ich dir entgegen! Komm, beglücke mich!

وقرأت سطوراً للشاعر الفرنسي جاك بريفير:

Jacques Prévert, Chanson

Quel jour sommes-nous Nous sommes tous les jours

Mon amie Nous sommes toute la vie mon amour Nous nous aimons et nous vivons

Nous vivons et nous nous aimons Et nous ne savons pas ce que c’est que la vie

Et nous ne savons pas ce que c’est que le jour Et nous ne savons pas ce que c’est que l’amour

في أي يومٍ نحن؟

نحن كل الأيام يا صديقتي

نحن كل العمر يا حبيبتي

يعشق واحدنا الآخر فنحيا

ونحيا كي يعشقَ واحدُنا الآخر

فلا نُدرك ماهية الحياة

ولا نعلم في أي يوم نحن

حتى نفهم معنى الحب

ثم استمعت إلى قصائد من الشعر الشعبي المصري تشابه اللوحات وأعمال النحت والموسيقى. اقرأوا معي أبياتاً من قصيدة الشاعر المصري بيرم التونسي بعنوان "شمس الأصيل":

شمس الأصيل دَهَبِت خوص النخيل يا نيل

تحفة ومتصّورة في صفحتك يا جميل

والناي على الشط غنّى والقدود بتميل

على هبوب الهوى لما يمرّ عليل

كيف يختلف بيرم عن أي رسّام في هذه الأبيات التي تغرس في رؤوسنا كيف تمسح الشمس الغائبة أشجار النخيل فتحيلها ذهباً وتصبح تحفة في صورة الجمال؟ وكيف تدّب فيها الحياة عندما يقوم فلاّح بعزف الناي فيبدأ الغناء والرقص ويهب الهواء العليل الذي يشعل الحب في القلوب؟

ومن الشعر السوري نقرأ لنزار قباني واصفاً بيته في دمشق:

في حرجنا المدروز شوحاً سقف منزلنا اختفى

حرسته خمس صنوبرات فانزوى وتصوّفا

هذه القصيدة بعنوان "بيتي" بقيت في مخيلتي منذ طفولتي أنّي يوماً ما سأبني مثل هذا البيت في بلادنا.

ومن الشعر الفلسطيني قصيدة قصيرة للشاعر سميح القاسم بعنوان "بانتظار طائر الرعد". إسمعوا الشاعر ينطق بعمق المأساة الفلسطينية ورغبة الحياة دون أن نشعر بأي مقاربة سياسية أو تقريرية ولكنّنا نشعر أنّه لسان حال طفل فلسطيني ينشأ في مخيمات اللجوء ينتظر قيامة قادمة:

في انتظار طائر الرعد

ويكون أن يأتي

يأتي مع الشمسِ

وجه تشوّه في غبار مناهج الدرسِ

ويكون أن يأتي

بعد انتحار القحط في صوتي

شيء روائعه بلا حدّ

شيء يسمّى في الأغاني:

طائر الرعد!

لا بد أن يأتي

فقد بلغناها

بلغنا قمة الموت.



ومن سطورٍ للشاعر اللبناني ميشال طراد في قصيدة "العصفور":

رح حلّفك بالغصن يا عصفور بالورق بالفيّ بالنبعات

بالزيّح جناحك بريشة نور بالمرجحك مع زرقة النسمات

بتقشع عريشي، وباب بِ فيّتا مزوي وحلوي بإيدا كتاب، سلّم على الحلوي

عندنا في لبنان مدرسة شعرية عابقة بالصور الغنيّة والمشاهدات الشخصية. شعر يصدح بالتجربة وعيني الخيال الواسع. وهذا يعني أيضاً أنّي أبتعد عن الشعر التجريدي الخالي من الصور، كما أبتعد عن الرسم التجريدي الذي لا يعني شيئاً إلا في ذهن الشاعر، ومن النحت الحديث والهندسة العمرانية الحديثة التي تريد إقناعنا أنّ ناطحات سحاب الإسمنت ذات الأشكال المستطيلة والطويلة تعكس ملكة جمال، فماذا نترك للعمران القديم في بيروت ودمشق وبغداد والرباط وباريس وبرلين وفيينا ولندن؟

وشعراء لبنان العاميون هم من ابناء هذا الشعر العالمي الذي عدّدت بعض نماذجه. هم يكتبون بالعامية اللبنانية وكأنّهم طائر غرّيد في رأس جبل لبنان. لديهم سعة خيال في نظم الصور الطبيعية ووصف جمال المرأة والبيت والشجرة والجبل والزهرة والشمس، وهو أشبه ما يكون بصاحب الريشة يعمل في لوحة أو نحّات يحمل إزميلاً ما أن ينتهي من عمله حتى ينطق التمثال لشدّة روعته.

قال الشاعر جورج الحاج عن شَعر المرأة:

عيفي شَعرِك الخمري لحالو بظِل كتافِك يشبرق جمالو

كنتُ في السابعة عشرة من عمري عندما سمعت كلمة "يشبرق" لأول مرّة من صديق لي كان في أفضل ملابسه، مسرّحاً شعره وبكامل أناقته وبجيبه عشر ليرات. وسألته ماذا سيفعل، أجاب: رايح شبرق شبابي. وفهمت أنّ مقصده أنه "رايح ينبسط" وحتى اليوم لا أزال أحّب هذه الكلمة مع أني أجهل معناها القاموسي.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard