هل يخاطر مون بإغضاب واشنطن؟

19 أيلول 2018 | 15:50

المصدر: "النهار"

خطفت القمّة الكوريّة الثالثة لهذه السنة تغطية إعلاميّة واسعة بعدما استضاف الزعيم الكوريّ الشماليّ كيم جونغ أون الرئيس الكوريّ الجنوبيّ مون جاي إن الذي يزور جارته الشماليّة لثلاثة أيّام. ساهمت سيول منذ مطلع هذه السنة بوساطة بارزة بين بيونغ يانغ وواشنطن انتهت بالقمّة التاريخيّة في سنغافورة. وذكرت صحيفة "هانكيوريه" أنّ قمّة بيونغ يانغ تحمل الأجندة نفسها التي حملتها قمّة بانمونجوم في نيسان الماضي، إنّما مع الدخول في تفاصيل تطبيقيّة لما صدر عن إعلانها المشترك. لكن في الوقت الذي سادت أجواء الأمل على هذه القمّة، لم يلغِ ذلك أسئلة أساسيّة مرتبطة بجدّيّة كوريا الشماليّة في التزاماتها بتفكيك أسلحتها النوويّة والأهمّ، بكيفيّة مقاربة كوريا الجنوبيّة لنوايا بيونغ يانغ.

وقال مون خلال مؤتمر صحافيّ إنّ "الشمال وافق على أن يغلق نهائيّاً منشأة تونتشانغ-ري لتجارب محرّكات الصواريخ ومنصّات إطلاق الصواريخ بحضور خبراء من الدول المعنيّة". وأضاف الرئيس الكوريّ الجنوبيّ أنّ "الجنوب والشمال ناقشا أيضاً خطوات نزع الأسلحة للمرّة الأولى". وتلقّى كيم إشادة من الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب الذي غرّد أنّ الزعيم الكوريّ وافق على السماح بتفتيش منشآته النوويّة والانخراط في مفاوضات نهائيّة وتفكيك منشأة اختبار ومنصّة إطلاق بوجود خبراء دوليّين. كذلك، شدّد على أنّه في هذا الوقت لن يكون هنالك اختبارات صاروخيّة أو نوويّة. وذكر ترامب أنّ الكوريّتين ستتقدّمان بطلب مشترك لاستضافة الألعاب الأولمبيّة سنة 2032 واصفاً ذلك بأنّه "مثير جدّاً".


لا داعي للسرور الأميركيّ

برزت خلافات كثيرة بين ترامب والصحافة الأميركيّة حول موضوع إحراز تطوّر في ملفّ كوريا الشماليّة. ففي حين كان يشدّد على أنّ الاختبارات الصاروخيّة قد توقّفت فعلاً ممّا أشاع أجواء من الهدوء في شبه الجزيرة الكوريّة، كان بعض الخبراء يشير إلى أنّ كيم يشتري الوقت وأنّ بيونغ يانغ لم توقف العمل على تطوير بعض المركّبات التي تُستخدم في بناء الصواريخ البالستيّة.

ربّما كان الكاتب السياسيّ طوم روغان أفضل من عبّر عن اختلاف قراءة أفكار كيم بين كوريا الجنوبيّة والولايات المتّحدة. ورأى في مجلّة "واشنطن أكزامينر" أنّه يجب على الأميركيّين ألّا يُسرّوا كثيراً بالقمّة الكوريّة، لأنّها المؤشّر الأخير على أنّ مون تخلّى عن المبدأ الأميركيّ للمفاوضات مع كيم: الضغط الاقتصادي والديبلوماسيّ الأقصى. وترى واشنطن أنّ كيم انتهازيّ يجب إجباره على التنازلات بواسطة العقوبات والتهديد بالقوّة العسكريّة بينما تجد سيول أنّ أفضل سبيل للتعامل مع كيم هو إزالة أسباب الخوف الذاتيّة لديه. لذلك فضّلت كوريا الشماليّة دعم جارتها الشماليّة اقتصاديّاً مع تخفيف المناورات المشتركة بين سيول وواشنطن. وطالب روغان ترامب بألّا يقبل بذلك.


مشكلة

يشكّل اختلاف الرؤية هذا مشكلة كبيرة للحليفين. فالمصلحة الاستراتيجيّة لكوريا الجنوبيّة تكمن في تهدئة كيم كي لا يستمرّ في تهديد الأمن الإقليميّ. لا يعني ذلك أنّ واشنطن ليست مهتمّة بهذه النقطة، لكن بالنسبة إلى خبرائها على الأقلّ، يجب ألّا يأتي ذلك على حساب تفكيك الأسلحة النوويّة بشكل لا رجعة فيه ويمكن أن يتمّ التحقّق منه. في مرحلة من المراحل، اعترف الرئيس الأميركيّ بأنّ المسار الذي تسلكه كوريا الشماليّة متعرّج، لكنّه في الوقت نفسه ألقى اللوم على الصين التي دخل وإيّاها في حرب تجاريّة كبيرة. وبتغريدته أمس، وجّه ترامب إشارة ضمنيّة إلى أنّ كيم يعيد تصويب بوصلته السياسيّة من دون أن يكون هنالك أدلّة حسّيّة كافية لغاية الآن. على الرغم من ذلك ترفض واشنطن تليين موقفها الرسميّ بشأن العقوبات تجاه بيونغ يانغ.


ماذا يحصل على أرض الواقع؟

إنّ تشدّد الولايات المتّحدة في مواصلة فرض أقصى العقوبات على كوريا الشماليّة، قد يوصلها فعلاً إلى مفترق طرق مع حليفتها سيول التي يبدو أنّها ذاهبة باتّجاه ملء خزانة جارتها الشماليّة بالأموال. وهذه لم تكن فقط وجهة نظر روغان بل أيضاً نظرة عدد من السياسيّين والمتابعين بحسب "رويترز".

فقد وافق الزعيمان على تطبيع العمل في الحديقة الصناعيّة والجولات إلى جبل كومغانغ في كوريا الشماليّة. وانتقد السيناتور الأميركيّ ليندسي غراهام هذه الزيارة التي أشار إلى أنّها تهدّد بتقويض السياسة الأميركيّة بانتهاج "الضغط الأقصى". كذلك، تمّ توجيه اتّهامات إلى بعض الشركات الكوريّة الجنوبيّة باستيراد الفحم من بيونغ يانغ تحت ستار كونها شحنات روسيّة، حيث تساءل النقّاد على عمّا إذا كانت سيول عازمة بشدّة على الالتزام بالعقوبات الدوليّة. وتابع التقرير أنّ المجمّع الصناعيّ واجه عقوبات أمميّة في أيلول 2017 وقد أمّن 110 ملايين دولار لكوريا الشماليّة في بعض المراحل.


الجواب قد لا يستسيغه مون

هذه الخطوات تظهر أنّ سيول مستعدّة للذهاب بعيداً في انفتاحها على بيونغ يانغ علماً أنّ خطوات أخرى تظهر أنّها لا تزال تسعى إلى تعزيز قدراتها العسكريّة. في السياق نفسه، وافقت واشنطن مؤخّراً على بيع حليفتها أسلحة بقيمة 2.6 مليار دولار. وأعربت الناطقة باسم وزارة الخارجيّة الأميركيّة هيذر نويرت أمس عن أمل الولايات المتّحدة بأن تشكّل القمّة "خطوة مهمّة" باتّجاه نزع السلاح النووي، واصفة إيّاها ب "الفرصة التاريخيّة" أمام كيم لتنفيذ تعهّداته في سنغافورة. لكن على الرغم من ذلك، هل يمكن لكوريا الجنوبيّة فعلاً خرق بعض الخطوط الحمراء التي رسمتها واشنطن، مستندة ربّما إلى غضّ نظر أميركيّ محتمل في هذا الإطار؟

الجواب قد يكون لدى بروس بينيت، باحث في مؤسّسة الرأي الأميركيّة "راند" ومقرّها كاليفورنيا: "بحسب ما هو ظاهر، يأمل الرئيس مون في أنّ الرئيس ترامب سيوافق ببساطة على عمل ما تريده كوريا الشماليّة. أعتقد أنّ الرئيس مون يأخذ مخاطرة جدّيّة".

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard