مناورات "فوستوك" الروسيّة دفاعيّة أم "تدرُّب على حرب عالميّة"؟

14 أيلول 2018 | 18:57

المصدر: "النهار"

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يراقب مناورات "فوستوك" العسكرية - 13 أيلول 2018 - "سبوتنيك" عبر "أب"

يشهد شرق #روسيا أكبر استعراض عسكريّ تقوده #موسكو منذ ما قبل نهاية الحرب الباردة وهو يأتي في سياق مجموعة مناورات دوريّة تشمل أجزاء مختلفة من تلك البلاد. سنة 2017، أطلقت روسيا مناورات "زاباد" على حدودها الغربيّة، أمّا اسم "فوستوك" الذي تجري التدريبات تحت عنوانه اليوم فيعني "الشرق". ينخرط في التدريبات حوالي 300 ألف جنديّ و1000 مقاتلة وطائرات من دون طيّار إضافة إلى 80 سفينة و 36 ألف دبّابة وعربات عسكريّة أخرى، بحسب ما قاله وزير الدفاع الروسيّ سيرغي شويغو.

بعض هذه الأرقام قوبل بتشكيك متفاوت الحدّة من قبل مراقبين. ذكر كايل ميزوكامي في موقع "بوبلار ميكانيكس" (الميكانيكيّات الشعبيّة) في الخامس من الشهر الحاليّ أنّه "من المحتمل" أن تكون الأرقام التي قدّمها الروس صحيحة، لكن مع الأخذ بالاعتبار احتمال وجود مبالغات. بالنسبة إليه، يعود جزء من ذلك إلى أنّ موسكو تريد إخفاء حقيقة حجم المناورات. فالأرقام الرسميّة عن تمارين "زاباد" السنة الماضية كانت بحدود 13 ألف عسكريّ لكنّ الأرقام غير الرسميّة وصلت إلى 100 ألف كما أضاف.


طوافات وآليات عسكرية خلال مناورات "فوستوك" 13 أيلول 2018 - "أ ب"


أمّا التشكيك الأكثر وضوحاً فبرز منذ يومين عندما رأى مارك غاليوتّي في مجلّة "ذي اتلانتيك" الأميركيّة أنّ الأرقام المشار إليها تساوي ضعف عديد القوّات البريطانيّة وضعف عديد القوّات الروسيّة التي شاركت في نسخة "فوستوك 2014". ورأى أنّ هذا الاستعراض العسكريّ ليس مجرّد مناورات وإنّما أيضاً حرب نفسيّة شاملة تختبر فيها موسكو قدرتها على تنسيق عمليّات معقّدة. وقدّر أن يكون عدد القوّات المشاركة حوالي نصف ما هو معلن، ومع ذلك، يبقى الرقم لافتاً للنظر بحسب ما كتبه.

نقل غاليوتّي عن المحلّل العسكريّ مايكل كوفمان إشارته إلى أنّه لو شارك فوج واحد من لواء في "فوستوك" فستتحدّث روسيا عن مشاركة اللواء بأكمله. وهذا يساعد في فهم كيف استطاع الجيش الروسيّ تطمين الشعب الغاضب من رفع سنّ التقاعد، بشأن عدم إنفاق المزيد من الأموال على الألعاب الحربيّة. يأتي ذلك علماً أنّه ينقص روسيا المال والقدرات على نقل ثلث القوّات الروسيّة بدون إحداث بعض الفوضى وفقاً لرأيه.


"عدوانيّ جدّاً"

بغضّ النظر عن الأعداد، بقي تصريح المتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف واضحاً لجهة عدم فصل تلك المناورات عن التوتّر الذي تشهده موسكو مع حلف شمال الأطلسيّ مؤكّداً أنّ "فوستوك 2018" تجري في إطار سياسيّ دوليّ "غير ودّيّ وعدوانيّ جدّاً". تصريح بيسكوف جاء ردّاً على سؤال أحد المراسلين عمّا إذا كانت هذه المناورات مبرّرة في ظلّ إنفاق روسيّ أكبر في الميدان الاجتماعيّ، فأكّد أنّها بالفعل "مبرّرة" ضمن الإطار الدوليّ الذي رسمه. وحضر الرئيس الروسيّ فلاديمير #بوتين المناورات التي بدأت يوم الثلاثاء، ممّا رجّح أنّ في جعبة الكرملين رسالة سياسيّة أراد إيصالها إلى العالم. في 28 آب، رأت مراسلة هيئة الإذاعة البريطانيّة "بي بي سي" ساره راينسفورد أنّ هدف المناورات إظهار قوّة روسيا التي لا تزال في موقع المتحدّي على الرغم من العقوبات المفروضة عليها.


إنزال عسكري خلال المناورات - "أ ب"


حاول بوتين التركيز على الطبيعة الدفاعيّة لهذه التدريبات قائلاً: "ليس لدينا ولا يمكن أن يكون لدينا أي خطط عدوانيّة" مشدّداً على أنّ روسيا دولة "محبّة للسلام". وكان رئيس هيئة الأركان الروسيّة العامّة الجنرال فاليري غيراسيموف قد لفت النظر أيضاً إلى هذه الطبيعة للمناورات. غير أنّ المسار السلبيّ الذي تسلكه العلاقات الأميركيّة الروسيّة بشكل عام قد لا يبقي توصيفاً كهذا بالغ الشموليّة.


"لا نحبّ الصورة التي نراها"

إنّ توصيف بيسكوف قد يكون أقرب إلى واقع المشهد العام الذي تجري هذه التدريبات في ظلّه، خصوصاً أنّه معطوف على تحليلات روسيّة أخرى لا تستسيغ تطوير الناتو لقدراته الدفاعيّة ولا تمدّده باتّجاه الشرق. في 27 آب، قال المحلّل الروسيّ المستقلّ المقيم في موسكو فلاديمير فرولوف: "لا نحبّ الصورة التي نراها". وأضاف في حديث إلى موقع "ديفنس نيوز" الأميركيّ: "الناتو يصبح جادّاً حول قدراته القتاليّة ومستويات جاهزيّته". بالنسبة إلى فرولوف، قد يقوم الرئيس الأميركيّ دونالد #ترامب بمهاجمة الناتو أو حلفائه الأوروبّيّين، لكنّ القدرات هي المهمّة وقد نمت في عهد الرئيس الحاليّ.


مرواحيّتان تشاركان في المناورات - "أ ب"


هذا التقدّم الذي يحرزه الناتو سيظلّ يشكّل هاجساً للروس وقد تكون "#فوستوك_2018" أحد أبرز الاستعدادات النفسيّة والميدانيّة لإيجاد نوع من التوازن مع الحلف الأطلسيّ، حتى ولو كان ميدانه الأساسيّ أقصى الشرق الروسيّ. ففي نهاية المطاف، هنالك سقف محدّد لعدد القوّات الروسيّة التي تناور غرب البلاد على عكس التدريبات في شرقها بحسب ما تنصّ عليه وثيقة فيينّا الصادرة عن منظّمة الأمن والتعاون في أوروبّا خلال تشرين الثاني 2011. وهذا ما أشارت إليه ساره باغونغ، باحثة في "المجلس الألمانيّ للعلاقات الخارجيّة" وخبيرة في الشؤون الروسيّة خلال حديث إلى قناة "دي دبليو" الألمانيّة.

بالتالي قد يعطي ذلك فكرة عن سبب احتمال تقليل روسيا لأعداد قوّاتها المشاركة في "زاباد" واحتمال تضخيمها في "فوستوك".


تحوّلات عسكريّة

في 29 آب، أورد تود ساوث في مقاله ضمن موقع "ميليتاري تايمس" خبراً نقلاً عن مجلّة "نيوزويك" مفاده أنّ روسيا أرسلت مؤخّراً 3200 جنديّاً إلى جورجيا و 7000 إلى مولدوفا. وذكر ساوث أنّ الجهود الروسيّة في "#فوستوك" تصادف بروز تحوّلات عسكريّة أميركيّة من عمل يقوم على مكافحة التمرّد في الشرق الأوسط إلى آخر يستند إلى التجهيز والتحصين والتدريب ضدّ منافسين شبه نظراء لواشنطن مثل روسيا والصين.

انطلاقاً من كلّ هذه الأسباب وغيرها، كان طبيعيّاً ربّما أن يرى بعض الباحثين في هذه التدريبات ما هو أبعد من مجرّد أهداف دفاعيّة. تقول باغونغ لشبكة "دي دبليو" إنّ طبيعة وعديد القوّات المشاركة في المناورات الحاليّة يظهران أنّه "من الواضح أنّ روسيا تتدرّب لحرب عالميّة".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard