الانتحار بين الطيارين: تحدٍّ جديد يواجه أطباء الطيران

11 أيلول 2018 | 10:16

المصدر: "النهار"

تعبيرية.

في أواخر آذار من عام 2015 دفع مائة وخمسون راكباً أرواحهم ثمناً لانتحار مساعد الطيار الألماني اندرياس لوبيتز البالغ من العمر 27 عاماً والذي كان وحيداً في قمرة قيادة طائرة جيرمان وينغز من طراز ايرباص A320 لحظة سقوطها في جبال الألب الفرنسية خلال رحلتها من مدينة برشلونة الإسبانية إلى مدينة دوسلدورف الألمانية. بعدها أوصت وكالة سلامة الطيران الأوروبية (EASA) في تقرير رفعته إلى الاتحاد الأوروبي بإخضاع أطقم طائرات الركاب المدنية الى رقابة مشددة وفرض وجود شخصين في قمرة القيادة في كل الأوقات أثناء الرحلة.

بشكل عام يتمتع الطيارون عموماً بصحة بدنية وعقلية جيدة للغاية، لكن حادث انتحار مساعد الطيار وضع تحدياً كبيراً أمام أطباء الطيران والمتخصصين في السلامة الجوية لمراجعة اللوائح والسياسات المتعلقة بالصحة النفسية للأطقم الجوية وتخفيف القيود المفروضة على المعلومات الطبية المتعلقة بالطيارين والموازنة بين قانون حماية خصوصية الطيارين والخطر الذي قد تمثّله صحة الطيار على سلامة المسافرين، حيث يعتقد المحققون في مكتب السلامة الجوية الفرنسة أن مساعد الطيار للطائرة الألمانية كان يعاني من اكتئاب حادّ، إلا أن الأطباء كانوا غير قادرين عن الإفصاح عن ذلك، ولم يتم إبلاغ الشركة التي يعمل فيها لأسباب قانونية.

هناك ستار من الصمت يحيط بالمشكلات النفسية في مقصورة قيادة الطائرة حيث أشارت دراسة طبية نُشرت مطلع هذا العام بأن معدل الإصابة بالاكتئاب بين الطيارين بلغت 12.6%. ووجدت الدراسة كذلك أن 4.1% من الطيارين راودتهم أفكار انتحارية أو إيذاء أنفسهم مرة واحدة على الأقل. ويعد مرض الاكتئاب من أهم الأسباب التي قد تؤدي إلى الانتحار. وبالرغم من أن العلاقة بين الانتحار والاضطرابات النفسية، خاصة الاكتئاب، مثبته طبياً، إلا أن هناك العديد من حالات الانتحار التي تحدث فجأة في لحظات الأزمة نتيجة انهيار القدرة على التعامل مع ضغوط الحياة كالمشاكل المالية أو العاطفية، فيبدو وكأنه لا توجد وسيلة لحل المشكلات، وأن الانتحار هو الطريقة الوحيدة لإنهاء الألم. وأوضحت الدراسة كذلك أن الطيارين الإناث هم الأكثر عرضة للاكتئاب بالمقارنة مع الطيارين الذكور، وبالرغم من أن محاولات الانتحار تحدث أكثر عند الإناث، لكن الانتحار لدى الذكور أكثر من الإناث نظراً إلى أنهم يستخدمون عادة وسائل أكثر فعالية.

في أواخر يوليو الماضي، أوصت وكالة سلامة الطيران الأوروبية (EASA) بوجوب الاستمرار في العمل بنظام شخصين في قمرة القيادة في كل الأوقات وخضوع الطيارين لتقييم نفسي قبل انضمامهم إلى العمل في شركات الطيران، وإجراء شركات الطيران فحوصاً عشوائية للمخدرات والكحول، بالرغم من أن هذين العاملين لم يكونا من العوامل المسببة لحادث جيرمان وينغز. كما أوصت الوكالة بتأسيس برنامج مراقبة أكثر صرامة لطب الطيران واللوائح الخاصة به، والعمل على إعداد جدول بيانات أوروبي لطب الطيران، واستحداث شركات الطيران لأنظمة وبرامج دعم للطيارين تسمح لهم بمناقشة مخاوفهم الصحية وغيرها بلا خوف من فقدان وظائفهم، وتوفير رعاية المتابعة الصحية والنفسية لجميع الطيارين، لاسيما أن الانتحار من القضايا الطبية المعقدة، حيث تتطلب الوقاية من انتحار الطيارين التنسيق والتعاون بين العديد من القطاعات، بما في ذلك القطاع الصحي وقطاع الطيران والقطاعات الأخرى، وينبغي أن تكون هذه الجهود شاملة ومتكاملة، لأنه لا يمكن لأي إجراء أن يؤثر بمفرده على قضية معقّدة كالانتحار.

الجدير بالذكر أن وكالة سلامة الطيران الأوروبية (EASA) هي وكالة تابعة للاتحاد الأوروبي لديها السلطة التنظيمية والتنفيذية في سلامة الطيران المدني داخل دول الاتحاد الأوروبي، وتشمل مسؤولياتها منح الشهادات الطبية للطيارين من خلال أطباء الطيران المفوضين من قبل الوكالة.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard