أيام في الفراش بلا نوم أو طعام... رجا: أفكار "تنخر" رأسي تدفعني إلى الجنون

7 أيلول 2018 | 18:35

المصدر: "النهار"

رجا صبرا.

أيعقل أن تصبح أفكارك عدوّك في الحياة؟ هل حقاً ان هذه الفكرة التي "تنخر رأسك" ستجعلك تتمنى الموت لترتاح؟ ما عاشه رجا صبرا كان أشبه بالكابوس، انقطاع عن الطعام، عدم الخروج من المنزل، أرق وتفكير متواصل حتى وصل الى مرحلة الانهيار. "وسواس" يعيش في رأسه، يُرهقه الى حدّ الاكتئاب، كيف له ان يتخلص من هذه الأفكار... وكأنه إدمان متربّص به. أصبحت حياته محصورة في تلك الغرفة، جالسٌ على سريره والأفكار "الوسواسة" ستدفعه الى الجنون.

لم يكن رجا يعرف انه يعيش اضطراباً نفسياً سيتحكم في حياته ويجعله أسير أفكاره المفرطة و"غير الواقعية". هذا الوسواس القهري أوصله الى اليأس والانهيار فطلب المساعدة وبدء العلاج النفسي والدوائي. في هذه السطور يُشاركنا رجا قصته وانتكاساته التي عززت لديه ميولاً انتحارية لم تكن موجودة قبلاً وصولاً الى طلب المساعدة والخضوع لعلاج نفسي.

سيناريوات وتحاليل لا صحة لها في الواقع

يستعيد رجا تلك المرحلة في ربيع العام 2006 عندما بدأ كل شيء، يقول: "من دون مقدمات او عامل طارئ، بدأتُ أشعر رويداً رويداً تغييراً في طريقة تفكيري، بدأت تلك التفاصيل الصغيرة والأفكار والأحداث البسيطة تحتل حيزاً كبيراً من تفكيري ووقتي. من تفكير يتوارى ويعود الى ادمان يصعب التخلص منه، كنت عاجزاً عن التخلّص من هذه الأفكار وعدم التفكير بها. بتُّ أعيش في سيناريوات وتحاليل لهذه الأفكار، الى ان وجدتُ نفسي أدخل في نفق مظلم، في مرحلة اكتئاب شديدة. ليس سهلاً عليك ان تجد نفسك عاجزاً عن التحكّم بأفكارك، عقلك يفرض عليك ان تفكر بها حتى لو لم تكن تريد ذلك".

من أفكار تشغل كل حياته الى سجن صغير يعيش فيه طيلة الوقت، لم يعد رجا يخرج من المنزل، لم يعد يذهب الى العمل، أرقٌ وانقطاعٌ عن الطعام...حتى وصلت به الأمور الى البقاء في الفراش لمدة 3 أيام لا يقوم بأي شيء سوى التفكير في فكرة واحدة نسيطر على عقله. لم يكن رجا يعرف ان ما يمرّ به يُخفي وراءه اضطراب نفسي قد يمنعه من استكمال حياته اليومية كباقي الأشخاص، يشرح رجا ما جرى معه: "لم أعد اعاني فقط من الوسواس القهري، وانما عانيتُ ايضاً من الرهاب تُرافقه اعراض جسدية كضيق تنفس ودقات قلب سريعة وغثيان واصفرار في الوجه...كنتُ أشعر ان هناك شيئاً في صدري سيخرج مني لشدة قوته. في تلك الفترة بدأتُ أفكر بالموت والانتحار، كان وجعي كبيراً وكنت مرهقاً إلى حدّ اليأس. كانت الأفكار "تنخر رأسي" طيلة الوقت، لم أعد أنام او آكل او أقوم بأي شيء آخر...باختصار أصبحت شخصاً غير سعيد".

القلق الرهابي يُرهقني

لم يعدّ رجا قادراً على إكمال حياته بهذه الطريقة، كان عليه ان يتصرف، فقرر الدخول الى المستشفى لمعرفة ما يجري معه، وهكذا بدأت رحلته مع العلاج الدوائي والنفسي. هناك اكتشف رجا انه يعاني إضطراب الوسواس القهري، وهو نوع من أنواع اضطراب القلق الرهابي، حيث تتخاطر الأفكار والأفعال الوسواسية المفرطة وغير الواقعية، وهو عاجز عن عدم التفكير بها وتُسبّب له خوفا وقلقاً دون سبب.

يصف رجا الشعور قائلاً: "سبّبت هذه الأفكار المتواصلة التي تجول في رأسي طيلة الوقت اكتئاباً شديداً، وكأني في حالة إدمان. أصبحت منقطعاً عن العالم الخارجي ولا شيء يُسيطر عليّ سوى تلك الأفكار المرهقة وغير الواقعية والسيناريوات التي تُحاك في مخيلتي دون توقف، وكأني أعيش داخل رأسي.

أفكار سوداوية وانتحارية؟

كيف يمكن لشخص ان يعيش الاكتئاب دون أفكار سوداء تُرهقه الى حدّ الجنون؟ كيف لشخص لا ينام او يأكل ان يصمد طويلاً امام هذه الأفكار التي تسيطر على كل حياته؟ وكأنه يعيش تحت غيمة سوداء لن تمرّ مرور الكرام. والأصعب من ذلك وفق رجا "كنتُ مدركاً تماماً وعلى يقين أن هذه الأفكار ليست منطقية، لكني عاجز عن التخلص منها. وفي صيف 2012، وصلت الى حافة الهاوية، أُصبت بانهيار شديد مع بكاء يومي وأرق، أصبحتُ ألجأ الى الموسيقى او أشاهد التلفزيون حتى أجبر نفسي على النوم، كنتُ مرهقاً وأتوق الى الراحة وغير قادر على التمتع بها".

لم يستسلم رجا، قرر ان يخطو خطوة الى الأمام والاستعانة بطبيب حتى يتمّ تشخيص حالته.

شرح: "لم أسمع سابقاً بالأفكار الطارئة والوسواس القهري وغيره، حتى عندما استشرت أكثر من الطبيب في وقت سابق. لم يشرح لي احدهم انني قد أكون اعاني اضطراب الوسواس القهري. لذلك علينا رفع الوعي وعدم اخفاء ما نمر به، ليس عيباً ان تطلب المساعدة وان تعاني اضطرابات نفسية، انت بحاجة لمن يمد يده وينتشلك من هذا الوجع الكبير حتى لا تغرق في أفكارك السلبية والاكتئاب وتختار طريق الموت عوضاً من الحياة. امامك طريق صعبة لكنها ليست مستحيلة، انت تختار كيف تعيشها، تصالح مع نفسك حتى تتمكن من مصالحة الحياة، تحدّث الى معالج نفسي ولا تخجل من ذلك، فأنت تبحث عن الخلاص والراحة".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard