التقاء العزلتَين!

6 أيلول 2018 | 11:00

المصدر: "النهار"

بريشة الفنانة إيتل عدنان.

مضت 40 يوماً، بنهاراتها ولياليها، على عزلتي القسرية في المنزل.

إنها عزلةٌ قسريةٌ في المبدأ. لكنها لم تكن كذلك في اليوميات. في المراس. في الخبرة. في التجربة. في الجوهر. في البعد. وفي الدلالة.

لستُ مضطراً للإفصاح عن السبب المباشر لهذه العزلة.

لكني أُفصح عن المعنى. عن الحالة. عن المغناطيس. عن الفتنة. عن الشغف. عن الشبق. عن فكرة الالتقاء شبه المطلق بالعقل. بالذات. بمعزلٍ عن أيِّ إلحاحٍ خارجيّ. أو ضغطٍ. أو استحقاق.

في اللحظة الأولى، كان ثمة شعورٌ بالقسر. بالإرغام. بالضرورة. بالفرض. بالإلزام.

هو شعورٌ سرعان ما تبدّد.

يمكنني أن أقول إنه تبدّد خلال أربعٍ وعشرين ساعة. ربما 36 ساعةً حداً أقصى. أنا متأكدٌ الآن من ذلك. أنا متأكدٌ تماماً.

والحال هذه، ينبغي لي أن أحسم من عزلتي ستّاً وثلاثين ساعة، هي الساعات التي تلت تلك اللحظة.

بعدها، بعد الساعات الستّ والثلاثين، للمرة الأولى في حياتي، تلاقت عزلتي مع عزلتي؛ عزلتي الإرادية والروحية مع عزلتي القسرية والجسمانية. ليكون ما لم يكن قطّ في حياتي سابقاً.

يا لهذا التلاقي الفذّ! حيث كلّ ما فيَّ. بل كلّ مَن فيَّ، يتخلّى، ليتلاقح، ليتلاقى، لينساب، ليتّحد، لينولد، ولينصنع كما لم ينصنع من قبل.

ليس ثمّة مبالغةٌ في ما أُفصح عنه. ليس ثمّة افتعالٌ. أو اصطناعٌ. أو زعمٌ. أو ادّعاء.

يمكنني أن أكتب كتاباً كاملاً عن هذا "الشيء" الذي حصل معي. عن هذا "الشيء" الذي حصل معي من باب المصادفة ليس إلاّ. كيف صار الذي صار. كيف يصير هذا الذي يصير. كيف يصير هذا الذي يصير، ولا ينتهي، ولا يجفّ، ولا ينضب، ولا يصل إلى نهاية. كيف ينبني. كيف ينمو. كيف يحفر. كيف يتوغّل. كيف يستكشف. كيف يكتشف. ماذا يكتشف. وبأيّ أدواتٍ يفعل ذلك كلّه، في خضمٍّ عميقٍ وهائلٍ من التلقّي، من الصمت، من الوحدة، ومن اللااكتفاء.

أصف ما بي، من دون أن يعنيني أن أكون واضحاً في مرايا الآخرين. لن أتقصّد أن أكون واضحاً، ولا أن أكون على صورةٍ ما، لكي أصل إلى الآخرين، أو لكي يستشعرني الآخرون. هذا ليس مطلبي. علماً أن كلّ "شيءٍ" فيَّ سيصل. سيصل حتماً إلى الآخرين.

مرآتي المفتوحة على مراياها اللانهائية؛ المفتوحة بالتواضع، بالانسحاق، بالتنازل عن النرجس، عن الأنا، وبالتنازل عن كلّ شيء، تكفيني لأكون آخر، لأكون الآخرين، وفي الآخرين، كما لم أكن من قبل.

بعد قليلٍ من الأيّام، أو بعد كثير، سأجد نفسي "مدعوّاً" إلى الخروج من العزلة، لمواصلة الإيقاع المعروف.

هذا الخروج الواقعي، لن يغلق باباً مفتوحاً على مصراعيه اللانهائيين. هذا الخروج لن يضع ختماً على عقلي، ولا على قلبي. إنه محض خروج "واقعيّ" ليس إلاّ.

ما حصل فيَّ، قد حصل حقاً. ولن ينتهي.

أنا العزلتان اللتان لن تكون إحداهما كاملةً بدون الأخرى.

أنا التقاء العزلتَين. ولا انتهاء!

Akl.awit@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard