البندقية ٧٥ – "روما": ألفونسو كوارون يعود إلى الحضن الدافئ

31 آب 2018 | 19:35

المصدر: "النهار"

ألفونسو كوارون أثناء تصوير "روما".

أحد التحديات التي يواجهها المخرج المكسيكي غييرمو دل تورو، رئيس لجنة تحكيم الدورة الخامسة والسبعين لمهرجان البندقية (٢٩ آب - ٨ أيلول)، هو ان ينصف فيلم "روما" لمواطنه وصديقه ألفونسو كوارون الذي عُرض أول من أمس في المسابقة الرسمية، من دون ان يكون منحازاً له بحكم الصداقة التي تجمعهما.  

كثرٌ يدركون صعوبة المهمة، وكان هذا محلّ سؤال خلال المؤتمر الصحافي من أحد الصحافيين الحاضرين في الموسترا. مهما كان خيار صاحب "شكل المياه"، فلن ترحمه سهام النقد. فاذا أسند جائزة إلى صديقه، فسيُقال انها مسايرة و"طبطبة" على الظهر، وفي حال امتناعع عن ذلك، سيُقال ان كوارون كان ضحية هذه الصداقة. العلاقة بين الرجلين متينة: في تشرين الأول الماضي، كان كوارون برفقة دل تورو في مهرجان لوميير (ليون)، وشاهدناه يراشقه بالصور خلال لقائه المعجبين.

ياليتسا أباريسيو في دور كليو.

نستعجل ذكر مسألة الجوائز ونحن فقط في اليوم الثالث لعروض المسابقة التي تتضمن ٢١ فيلماً، والسبب اننا خرجنا من "روما" مع هذا الاحساس العميق بأن من الصعب الاّ نسمع أحد أعضاء لجنة التحكيم ينادي كوارون إلى المسرح ليلة الختام، السبت ٨ أيلول. فـ"روما" واحد من أجمل ما حققه منذ بدئه صناعة الأفلام في العام ١٩٩١. "روما" فيلم منمنمات. تفاصيل. اجتهاد لقراءة سياسية واجتماعية من منظور ذاتي بحت. كوارون أدرك جيداً ان الحقيقة في تلك الأماكن الصغيرة. نصّه ينزلق ببطء شديد، ولكن أكيد، إلى هدفه. أشياء كثيرة تجتمع في "روما" لتجعل منه عملاً يستحق المشاهدة. انه بورتريه لعائلة، لبلد، جردة حساب حياة، حصيلة فهم آخر للسينما يفضّل المناكفة على الصدام.  

بعد 17 عاماً من انطلاقته في فينيسيا مع "وأمّك أيضاً"، وبعد خمسة أعوام من افتتاحه الموسترا بـ"غرافيتي" (فاز عنه بـ"أوسكار" أفضل مخرج)، يعود كوارون إلى المهرجان الذي كانت له مساهمة كبيرة في تكريسه وتكريس جيل من السينمائيين المكسيكيين، وإعادة الاعتبار إلى السينما المكسيكية عبر فتح نافذة على صنّاعها (دل تورو، ريغاداس، اسكالانته، إينياريتو). هذه العودة هي كذلك عودة إلى الينبوع، أي إلى المسكيك، التي هاجرها كوارون سينمائياً منذ ٢٠٠١، تاريخ خروج "وأمك أيضاً"، ليصوّر أفلامه بعيداً منها، وها ان مدينة مكسيكو الباهرة المعششة بالحكايات وعتق الزمن الذي نكاد نشتمّ رائحته، تحتضنه مجدداً، ويا له من حضن! أما زمناً، فهي عودة إلى السبعينات، وهذا يعني ان الحقبة مرتبطة بشكل مباشر بطفولة المخرج المولود في ١٩٦١ وبصباه، وكذلك بالذكريات التي عاشها في مسقطه.

كوارون في موسترا البندقية.

ليس ما هو أجمل من النحو الذي يصوّر فيه كوارون مكسيكو القديمة، مع عظمتها وانحطاطها، ماسكاً بهذه التحديقة التي فيها شيء من التعلّق بالماضي الذي لا يتحوّل إلى حنين مريض. العالم الذي يرسمه كوارون هو عالم نساء. نساء يُدرن شؤون منزل بورجوازي كبير وأموره، من تربية الأولاد والاهتمام بهم إلى تدبير أشياء الحياة اليومية ومستلزماتها. هناك الأب والأم وأولادهما الأربعة، وهناك الجدّة والخادمة كليو، معشوقة الأولاد، التي هي عرضة للتلميحات التي تشير إلى اصولها (من السكّان الأصليين)، لكنها مع ذلك معتبرة وتجد عند مشغّليها الاحترام الذي تستحقه. كوارون استوحى من شخصية البايبي سيتر التي كانت تهتم به عندما كان طفلاً ليضع شخصية كليو. 

يتسلل الفيلم إلى حميمية كلّ واحدة منهن على حدة؛ الأم البورجوازية (مارينا دو تافيرا) حتى النخاع، ثم الخادمة كليو (ياليتسا أباريسيو) التي يكاد الفيلم ان يكون فيلمها. فقصّتها هي الأقوى وحضورها الأشد تعبيراً والأكثر قدرة على ان تكون الشاهدة. كليو تجد نفسها حاملاً بعد أن يتخلى عنها حبيبها. والفيلم يوثّق اليوميات برقّة لامتناهية، محاولاً فهم ظروف كلّ شخص واستيعابه، ويصوّر كذلك كيفية عبور سيدتين تتحدران من بيئتين اجتماعيتين مختلفتين، التحديات كافة. بتفانٍ ينتمي إلى زمن آخر، تعبر السيدتان الأزمات برأس مرفوع وكرامة لا تشوبها شائبة. في هذا المعنى، الفيلم دراسة لهذه الشخصيات العزيزة على قلب المخرج، في مدينة شهدت قمعاً للطلاب المتظاهرين في العام ١٩٧١ على يد الجيش المكسيكي، فتم قتل نحو من ١٢٠ منهم في مجزرة عُرفت بمجزرة "كوربوس كريستي" ("جسد المسيح")، ولا تزال ذكراها ماثلة عند كثيرين من أبناء جيل كوارون الذي كان في العاشرة عندما وقعت. هذا الحدث ليس سوى خلفية للحكايات الفردية المتداخلة. وهنا يكمن جمال النصّ الذي يجيد كيف ينتقل بين العام والخاص، بين المشهدية العريضة والصورة الكبيرة، بين التفصيل السطحي ولحظة تاريخية تلازم الذاكرة الجمعية، مع ذلك الاحساس الذي يلح بأن شيئاً ما يتأكل تحت الجلد.

ما علاقة روما بالموضوع؟ هي ببساطة اسم الحيّ الذي شبّ فيه كوارون وأمضى جزءاً من حياته بين أزقّتها. في حين ان الكادرات والزوايا تذكّرنا ببعض من أفضل أفلام المعلّم المكسيكي أرتورو ريبستاين. فخيار الأسود والأبيض (٦٥ مم) من شأنه ان يحيلنا على "الواقعية الإيطالية الجديدة"، وهذه ليست الغمزات السينيفيلية الوحيدة في فيلم يمكن القول عنه انه شخصي جداً. شغل كوارون المناصب الحيوية كافةً، من الإخراج إلى السيناريو فالتصوير والمونتاج. في البندقية، تحدث كوارون عن التقاط الحياة (صوَّر بالتسلسل الزمني الفعلي لمجرى الأحداث)، وهذا ما يفعله بروعة وبصيرة وبلاغة وطرافة قد تجعل الكثير من السينمائيين يحمرّون خجلاً ويشعرون بالحسد.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard