رشيد المومني أو شاعر الولادات الوجودية

31 آب 2018 | 17:02

المصدر: "النهار"

رشيد المومني ("فايسبوك").

إنّ شاعراً عربياً من هذه الطينة النادرة، تولد كلماته ممسوسة بعمق التجربة وصدقها وحرارتها، يناور على حدود المتاهات الوجودية مفصّلاً قصائده على مقاسات جرعة زائدة من الوجع الإنساني النرجسي. 

لا يقيّد ممارسته، أو يرهن القول الشعري ببيت الطاعة، طاعة طرف التلقّي وقبول شروطه المخبولة، بحيث تَزُفُّ أعراس الصّعق مبطّنة بالعقوق الشعري الهادئ الخفيض، عتبات منجزه إذ يذيّلها هاجس اغتيال القارئ، مذ أولى مراحل اغتصاب بياضات المكنون، ومذ تشكُّل نواة البدء في ملامح فسيفساء البوح على خطى اقترافه لنظير هذه منظومة مفاهيمية مُشكّكة في قداسة العُرَى وروابط الدم ما بين النصّ ومتلقيه.

شاعر يتوغّل في الذات والسؤال الوجودي، ناقلاً بذلك، جدل الكتابة وأزمتها، من الواجهة المُرَاوغِة المُفتية بآيات تدليس الشكل، إلى صلب الإشكالية والاستشكال ولبّهما.

لا يتخبّط في عُرْي القصيدة، سوى بقدر ما تقترحه البصيرة من فلسفة استشرافية تطوّق فُتات المعيش ونثاره وتشظّياته، وتنثال تفاصيل اليومي، ناطحة بجملة إبدالات مسعفة في صيرورة وإرسالية المعنى الزئبقي، بما الفعل الإبداعي في شموليته، لعبة ذهنية مهضومة ومستساغة، تتغيا الموازي لبلورة فولكلورية تضع القصيدة خارج حدود الشكل والزمان والمكان.

ذاتية متطاوسة تسكن النّزيف قبل أن يسكنها، تروم ترسانة الهدم الكلامي لأجل ترتيبات تمتص مشاهد الراهن، بل تمسخها وتحوّلها إلى مستويات تقفز فوق المحاكاة إلى ذروة العزف على أوتار القلب المعطّلة أو المغيّبة بالكامل، صاعقة بميكانيزمات الإنساني الانسيابي بعفوية وسليقة ودونما إهدار أو ارتجاج، على نحو يتمّ التقعيد عبره ومن خلاله، لأيقونة ما قد يدغدغ في تلكم الذات المجلودة بعض الحنين إلى الأمجاد المسلوبة، ويثوّر فيها شهوة الانتماء إلى فوقية المثل، مقعّداً بذلك، لأصول وثوابت المنطق الاستفزازي الذي من شأوه أن يزاول على ذاتية الهجرة والعبور أو السّفر النرجسي المكابر، أضرباً من الهشاشة الإبداعية البانية بعد يباب، والمرتّبة بعد فوضى ودموية وخيبات وانكسارت واضطراب.

تقنية تزرع قصائد المخاتلات المخملية على خط ناري،وصفيح مفخخ مؤذن بدنوّ فصول موت المتلقي في مجموع دواله التي تفيد خلود النّص،كمعطى غرائبي وكمعادل بديل، كون هذا السلوك الفيزيولوجي/السيكولوجي ضمن ضوء المقاربة والمعالجة التي تقدّمها غائية الشعر خصوصاً، ما تنفك تشاكس تحت أقنعته الذات،ثائرة ولوّامة وقلقة ومشكّكة ومفتوحة على احتمالات عدّة،تبعا لوجهة غير معلومة،ووفق تعاليم مقامرة تجريبية يُستلهم منها حيزّ الخلاص تماما مثلما تلوّح به هذه الكتابة النوعية النشاز والعاقة لسرب الغوغائية، تودّ منح معنى إضافيا للذات والغيرية والحياة،ملتزمة بكهذا أسلوب يبحث في عناوين فردوسية أخرى للإرتقاء بالذهنيات والذائقة.

وقبل أن نستأنف هذه المقاربة محاورين ما ورئيات المعنى و اللّون في تجربة شاعرنا، ليس ثمّة بدّ من أن نلوذ بالاقتباسات الموالية،كي نقف عند أوجه البعض ممّا فذلكنا له آنفا:

...........................

هي فصاحة الذاكرة وكيف أنها تشوك بتلاوين وتلاقحات الاستنطاقات الوجودية الهوياتية، مفبركة هذه الحكاية المعسولة ناظمة لخيوطها المعبأة بسمّ يتقل المتلقي ليهدية الولادة الثانية الشاهدة على رقي الوعي والذائقة.

شعرية باذخة تتفادى فخاخ الغموض الارتجالي الذي يطعن في سمعة القصيدة،ويُسربلها بسفسطة الثقافة العاجية،فينفّرها ،بالتالي، لطرفّ التلقّي المهيأ لموت قبلي يشدّه إلى روح نصانية الخطاب المغازل بسحر الأدائية الأنوية المحتفية بالنّص والمقتصّة له من منبوذيه بدرجة أولى، ثمّ بعد ذلك، لينعم هذا القارئ المفترض بحياة بعدية،يُدشنّ طقوسها الوثنية، وعي متمرّد وذائقة يانعة.

ذلكم لبوس المحو يهيمن على مجمل منجز شاعرنا، كي يتخطّى في الذائقة والعقل، أسفق الدهشة إلى الإرباكية اللازمة لخلخلة نظم الذاتية والغيرية والكونية.

لعنة الشعر يمارسها بنفس لا هوثي، الشاعر رشيد المومني على إسمنتية الآني وخمول الذائقة والوعي، مذوّبا جهات العري تقرعها عذرية المعنى، بيننا وبين كريستالية النص الوثني المغرّد بحماقات الملك الضال، أقصد الشاعر الصعلوك، ملوّنا في قارئه بعد طور الإغتيال، صحراء العبث والغبن الوجودي وسائر جراحات الهوية والانتماء.

بحيث تقبع كتابة هذيانبة كهذه التي تطالعنا بكاريكاترية الاقصاء، عنوانا طوباويا لروح التجاوز والإيجابية ووابل القيم الواسمة ببصمة ذات قوية الحضور في غيابها،ومرهقة بتجليات الغائب في إعلان حضورها.

كذلك هو هذا الصوت النرجسي الهادر والمخوّل للذات تقمّص زمنها بالمقلوب، يقيها تعدّدها سياجات سادية مرايا اغتراب وعزلة القصيدة والحياة.

ورطة لا يريد رشيد المومني لأحد أن يغفرها له، تزدان بها شعرية هذا الاغتيال الخجول الممهّد لولادة سماوية تربّي في الذات الشاعرة وفي النص والمتلقي في رياض بعثه، كامل هذا الجنون الإبداعي موقّعا بنرجسية مقبولة منكفئة على سنابل الغموض منقوعا في أريج مثل هذه السياحة السندبادية المجهرية المشروعة.

شاعر وناقد مغربي  

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard