الضنضرما بوظة تركية بنكهة وطننا... أحمد النجار أحضر طريقة الصنع إلى لبنان (فيديو)

29 آب 2018 | 17:01

المصدر: "النهار"

أحمد النجار.

تنضم "الضنضرما" إلى أصناف البوظة المتعددة، العربي منها والأجنبي. و"الضنضرما" تركية الهوية، وابنة عم البوظة العربية من حيث المكونات، وطريقة الصنع، أحضرها إلى لبنان أحمد البدوي النجار، ابن العائلة الملقّبة بالشامي، والتي اشتهرت بصناعة الحلوى على اصنافها، والمكسرات، وتصنيع قوالب الثلج الضخمة التي سادت قبل ظهور براد الكهرباء. 

وانطلاقا من اهتمام العائلة بتصنيع الثلج، عملت في تصنيع البوظة بالطريقة العربية التقليدية، التي يتحدث عنها أحمد لـ"النهار" بقوله: "إن الثلج كان يوضع في برميل مع ملح، ثم نقوم بدقه بمدقات خاصة من الخشب، ونضيف إليه عصائر الفاكهة الطازجة التي نريد". 

بداية صناعة البوظة العربية عرفت بالبوظة المثلّجة، و"الستيك" أي القبضة الخشب الرقيقة، ولم تكن مطاطة، ولا لزجة، لذلك اعتمد الدق الطويل معها، لتصبح أكثر تماسكاً ولزاجةً، إلى أن أضيفت إليها مادة "السحلب" المستخرجة من نبتة تركية المنشأ هي نبتة "السحلب"، التي يضاف منها المطحون القليل جداً، إلى كمية كبيرة من البوظة المثلّجة، فتتحول لزجة مطاطة مطواعة، تصمد أكثر من المثلّجة أمام الحرارة قبل ذوبانها.

أعتق طرق لتصنيع البوظة هي بوظة الليموناضة العربية التقليدية التي صنعت في أجران معدنية، وكانت تُجرّ على عربات جوّالة، وتباع على الطرق، وانقرضت هذه الطريقة في لبنان أواخر سبعينيات القرن الماضي. 

جذر صناعة الأصناف الثلاثة من البوظة (الدق والليموناضة والضنضرما) هي تلك الطريقة الجوالة على عربة نقّالة، حيث كانت توضع عصيراً بتركيبة محلاة وبنسب معينة من البرتقال، وحامض الليمون، والسكر في مستوعب نحاس كبير يناهز الثلاثين سنتمتراً عمقا باستدارة قطرها يصل إلى ستين أو سبعين سنتمترا، حسب رغبة البائع. وكان المستوعب يوضع في مستوعب خشب أكبر حجماً منه، وفيه مكعبات الثلج المكسر الذائب قليلاً، وهو مثبت في فتحة على سطح العربة النقالة المسقوفة بغطاء يرتفع عنها اقل من متر ليحجب الشمس عنها خلال التجوال. 

المستوعب النحاس الذي يحتوي على عصير الليمون ينال برودة عالية من احتكاكه بالثلج في مستوعب الخشب، فيتجلد (يصبح جليدا) معدنه، ويتجلد معه العصير الذي يلامس جدران النحاس في داخله، وتتشكل طبقة من البوظة الرقيقة، الناعمة كالقطن على جداره الداخلي، فيتولى البائع قشط كمية منها، ويقدمها للزبون في كوب زجاج أو معدن. 

مع ظهور البراد الكهربائي، حوّل بعض الصناعيين هذه الطريقة إلى التبريد الكهربائي، فاكتفوا بمستوعب معدني، تحوطه أنابيب يمرر بداخلها غاز التبريد المعتمد في البرادات والمكيفات الحديثة، فيبرد المستوعب إلى مستوى التجلّد، ويتولى البائع رش كميات من العصير بداخله على جداره، فيتحول العصير إلى طبقة من الثلج الناعم كالقطن، فيكشطه، ويقدمه للزبون في كوب من البلاستيك، مع ملعقة وقشة مص، ولا تزال هذه الطريقة منتشرة في العديد من المحلات في مختلف أنحاء طرابلس. 

بعض الباعة اعتمد هذ الطريقة في البوظة المعروفة ببوظة الدق، والغاية من دقّها كانت تحويل الثلج إلى لزج قبل استخدام السحلب. والمدقة التي استخدمت، كانت من خشب ذي قبضة طويلة تزيد على المتر طولاً، وتنتهي بكتلة ثقيلة من الخشب، تساعد على تنعيم الثلج خلال دقّه.

تنتمي "الضنضرما" التركية إلى هذا النمط من البوظة، لكن مع تقنية مختلفة بعض الشيء، فالمستوعب التركي المعتمد من المعدن أضيق فتحة، وأعمق في آن، وبدلاً من المدقة الخشبية، يستخدم قضيب معدن ثقيل مصنوع من "الستينلس"، ينتهي بمساحة معدنية شبيهة بكف اليد، لكن أطرافها مسننه كالسكين، تساعد في كشط البوظة عن جدران المستوعب الداخلي، وتجمعها في وسط الوعاء من الأسفل، ويتولى المصنع دق البوظة بها. يضرب المصنع بالقضيب على الجدران، يكشط البوظة العالقة على المستوعب، ويدقها في الوسط، وهكذا في حركة شبه لولبية، تقارب طحن البن في المهباج، مع قرقعة ناجمة عن طرق القضيب المعدني بمعدن المستوعب الذي يحتوي على عصير البوظة، في حركة إيقاعية مشهدية، وإيقاع صوتي متناسق. 

يمكن لـ"الضنضرما" أن تكون على حليب أو شوكولا، ومكوناتها الأساسية لا تختلف عن البوظة العربية، يستخدم فيها السحلب، ويتميز كل بائع ببوظته عن الآخر بتركيبته السرية التي لا يريد أن يخبر أحداً بها.

يقول أحمد الشامي البدوي النجار، الوحيد الذي يصنع "الضنضرما" في لبنان، إنه شاهدها في تجواله في تركيا، ولم يتعلّمها من أحد. ذاكراً أنه لاحظ طريقة عمل المعلم، وحركته، فراح يطبقها بطريقته، بعد أن حصل على البراد التركي، والعصا المعدنية من تركيا، وطبق البوظة العربية عليها، بآليته الخاصة، وتركيبة الخلطة الممزوجة من أساس عناصر البوظة، مع إضافة منكهات طبيعية عربية، يتحفظ على ذكرها "حفاظاً على سر المهنة" التي، كما يردد، "لا أحد يعطيها لأحد".

عن معنى "الضنضرما" في التركية، يقول المعلم أحمد إنه يعني "البوظة"، مهما كان نوعها. ويتحدث عن صعوبة تصنيعها بالدق بالعصا المعدنية الثقيلة، التي تسبب وجعاً في الكتف، ولا يستطيع أي انسان أن يتقنها إلا بعد ان يختبر حركتها جيداً، بما يتناسب مع حركة الكشط، والدق المتناوبتين، ويذكر إنه "ليس كل من حمل عصا معدنية، استطاع تصنيع الضنضرما"، ولذلك يبقى الوحيد الذي يصنعها في لبنان، حتى الآن.

انضمت "الضنضرما" إلى مصنع ومحلات الشامي في طرابلس المعروفة بالـOriginal، يصنعها إلى جانب اصناف البوظة العربية المعروفة، مع تفنّن خاص بالتركيبة لكل صنف، وإلى جانب البوظة الإيطالية ذات التركيبة المعتمدة على أصناف مواد إيطالية الصنع، تختلف بالكامل عن البوظة العربية، وعن "الضنضرما".

ونظراً لصعوبة تصنيعها، تباع "الضنضرما" بسعر أغلى من بقية الأصناف، خصوصاً أن الكمية المستخرجة عند كل عملية دق، هي أقل بكثير مما يصنّع بالطرق الأخرى.

خصص المعلم الشامي، الذي يحب صنعته، ويسعى دائماً إلى تطويرها في كافة الأصناف، ماركة وحيدة، هي الـ DonDurma التركية، يوضّبها في علب بلاستيك، بأحجام مختلفة، ويبيعها حسب رغبة الزبون، ومنها ما يباع بتعبئتها مباشرة كالبوظة العادية، في أكواب بلاستيك، أو أكواب بسكويت مخروطية.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard