هل مَن يدافع عن "بائعات الهوى"؟

28 آب 2018 | 17:17

"آنسات أفينيون"، لوحة لبيكاسو.

أفضّل تعبير "بائعة الهوى" على التعابير الأخرى، من مثل العاهرة او المومس، او ما شابه باللغة المحكية، التي تحمل جميعها احتقارا للمرأة المشار اليها بهذه التعابير. 

فالمرأة المعنية هنا، هي التي تمارس مهنةً تقدّم من خلالها خدمات جنسية مقابل بدل مالي. وهي تصبح بسبب ذلك "بائعة".

على رغم انها، من وجهة نظرها هي، تبيع "الجنس"، الا انها من وجهة نظر الذين يتلقون الخدمة، تقدم إليهم اكثر من ذلك. إذ انهم يحظون في أحضانها بشيء من الحنان والقبول والرعاية، اي ما يشبه ما يفتشون عنه من "هوى". فتصبح المرأة عندها "بائعة هوى".

مناسبة الكتابة عن "بائعات الهوى"، تقرير استمعتٌ إليه حديثا على إحدى المحطات التلفزيونية حول "الدعارة" في لبنان. تقرير مصوّر تدعو مُعِدّته في نهايته، إلى تحرك الجهات المعنية لقمع هذه الممارسات ومن يقف وراءها من قوّادين.

اللافت ان هذا التقرير أتى إلى جانب عرض تقارير أخرى تكلمت عن فساد المسؤولين ومخالفاتهم القانونية، لكن من دون ان يطالب مُعِدّو التقارير الجهات القضائية بالتحرك لمحاسبة هؤلاء المسؤولين.

لكن ليس هذا اكثر ما اقلقني واستفزني في التقرير عن "الدعارة". بل مضمون المقابلات مع "بائعات الهوى" التي تضمنها التقرير.

تقول إحدى المستجوبات مثلا إنها أرملة وأمّ لأربعة اولاد، وإنها أمّية ولا تجيد اي مهنة، فكيف تعيل عائلتها؟

سرعان ما سألتُ نفسي بشيء من الغضب: "ماذا سيحل بهذه المرأة وبعائلتها إن جرت ملاحقتها امنيا وقضائيا؟" مما حملني لاحقا على طرح التساؤل الاشمل حول السياسة التي أراها مناسبة للتعاطي مع قضية "بائعات الهوى".

تشير المعطيات الاحصائية العالمية ان ثمانين في المئة من "بائعي الهوى" الذين يبلغ عددهم 42 مليوناً، هم من النساء، في حين ان الأكثرية الساحقة من الزبائن هم من الرجال.

ثلاثة أرباع هؤلاء النساء تتراوح أعمارهن بين 13 و25 عاماً، وتسع من اصل عشر من بينهن يديرهن قوّادون.

ثلاث سياسات مختلفة تنتهجها الدول للتعاطي مع هذا الواقع:

- السياسة "التحريمية" التي تعاقب الذين يتعاطون المهنة بالإضافة إلى معاقبة القوّادين وأحيانا الزبائن، باعتبار الدعارة غير أخلاقية وخطيرة.

- السياسة التي تضبط المهنة وتنظّم شروط ممارستها باعتبارها شراً لا مفر منه.

- السياسة "الالغائية" التي تعتبر ممارسي المهنة ضحايا عنف واستغلال، وتطالب بالوقاية ضد "الدعارة" من خلال قمع القوّادين ومنع شبكات الاتجار بالجنس.

في العقود الأخيرة طرحت سياسات إلغائية جديدة هدفت الى الغاء الدعارة كليا وطالبت بمعاقبة الزبائن والقوّادين وليس اللواتي يمارسن المهنة.

في موازاة ذلك برز تيار نقابي وطالب بإلغاء خصوصية الدعارة واعتبارها مهنة مثل غيرها وجب أن يشملها قانون العمل، وخصوصاً ان اللواتي يمارسن هذه المهنة يتعرضن لاستغلال، مثلهن مثل الإجراء او العاملين المستقلين مقدّمي الخدمات. هذا التيار يضع في اولياته التنظيم الذاتي لـ"بائعات الهوى" بغية التصدي لمستغليهنّ.

موقفي الشخصي هو أقرب إلى الموقف النقابي وخصوصاً في المراحل الأولى من التصدي للمشكلة تمهيدا لتطبيق سياسة "إلغائية" لاحقا، اذا سمحت ظروف البلد.

هذا الموقف لا يعكس بالطبع إي موقف أخلاقي مدين لـ"بائعات الهوى"، مما يجعلني أطرح على نفسي سؤالا تفاديتُ الاجابة عنه طوال حياتي: هل انا على استعداد لأن "أشتري" خدمات "بائعة هوى" طالما ليس لديَّ مشكلة أخلاقية معها؟

أعترف بأني لم يسبق ان عاشرتُ "بائعة هوى"، على رغم حاجتي لخدماتها في مراحل معينة من حياتي.

من الأسباب "الواعية"، رفضي ممارسة الجنس مقابل دفع المال، معتبرا ذلك إهانة للمرأة ولي شخصيا. مع علمي ان في الكثير من علاقاتنا "العاطفية الطبيعية"، يلعب المال دورا تحفيزيا كبيرا.

ربما كانت الأسباب أعمق من ذلك، وتطال نرجسيتي، من مثل معرفتي الأكيدة ان المرأة ستمارس معي الجنس من دون رغبة منها، وأنها كما نعلم من تصريحات العديد منهن، لن تستمتع بذلك.

من مثل أن ثمة في خلفية سلوكي موقفاً غير "متحرر" كفاية من الجنس كجنس، انا الذي لطالما حاولتُ الجمع في الممارسة كما في التنظير، بين الحب والجنس، معتبرا ان لا حب بدون جنس ولا جنس بدون حب.

لكن مهلا.

ألم ابدأ نصّي بالقول ان المرأة المنخرطة في عالم "الدعارة" انما تبيع "الهوى" الى جانب الجنس؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard