خطط المسؤولين الأميركيّين لسوريا تواجه "مقاومة" ترامب

27 آب 2018 | 15:15

المصدر: "النهار"

الرئيس الأميركي دونالد ترامب - "أ ب"

لا تزال الإدارة الأميركيّة تفتقر إلى سياسة واضحة المعالم تجاه الأزمة السوريّة وتظهر المؤشّرات أنّ هذا المنحى قد لا يتغيّر في المدى المنظور. يبدو أنّ الرئيس الأميركيّ دونالد #ترامب سلّم الملفّ السوريّ إلى نظيره الروسيّ فلاديمير #بوتين بعدما اقتنع بأنّ #موسكو ربحت الحرب في #سوريا، إذ سبق أن حمّل مسؤوليّة ذلك إلى سلفه باراك أوباما. وفي ذلك ما يظهر قبولاً رئاسيّاً بالواقع الجديد من دون إبداء أيّ مقاومة للتفوّق الذي سجّلته روسيا على الضفة الشرقيّة للمتوسّط. لكن بعض التحليلات الصحافيّة في الولايات المتّحدة، تكمن المقاومة في مكان آخر. 

اللافت للنظر في التقييم الخاص لترامب أنّه ينقسم ما بين إطارين، كلّيّ وجزئيّ. في الأوّل، بات الرئيس الأميركيّ معترفاً بالنفوذ الروسيّ في سوريا مع ما ينجم عن ذلك من اعتراف غير مباشر ببقاء الأسد في السلطة. بالمقابل، يفترض البيت الأبيض أنّ ثمن التسليم الأميركيّ بهذا الواقع هو بذل #روسيا جهداً خاصّاً من أجل تحجيم الدور الإيرانيّ في #سوريا، من دون أن يكون هنالك دوافع جدّيّة لاستعجال بوتين تطبيق هذا الهدف.

الرئيسان الأميركي والروسي دونالد ترامب وفلاديمير بوتين في قمة هلسينكي - "أ ب"

أمّا على المستوى الجزئيّ، لا يمتنع الرئيس الأميركيّ عن إبداء تشدّد في بعض المواقف مثل معاقبة نظام الرئيس السوريّ بشّار الأسد في حال استخدم الأسلحة الكيميائيّة. برهن ترامب جدّيّته في هذا المجال خلال نيسان 2017 و 2018. لكن في كلتا الحالتين، أثبت ترامب أيضاً أنّ ردّه على اللجوء إلى السلاح الكيميائيّ سيبقى محدوداً ولن يطال دعائم النظام. وقبل الهجوم المرتقب على #إدلب، شدّد مستشار شؤون الأمن القوميّ جون #بولتون على أنّ بلاده ستردّ بقوّة على دمشق في حال كرّرت هجماتها الكيميائيّة. على الأرجح، ستأتي طبيعة الردّ المفترض مشابهة لما رآه العالم في المرّتين السابقتين، بما يجعل التدخّل الأميركيّ محدوداً وغير معدّل خريطة توزّع القوى في الأراضي السوريّة.

كيف يضرب الثقة بسياساته؟

من جهة ثانية، طالب ترامب حلفاءه الخليجيّين بالمساهمة ماليّاً لإعادة الاستقرار في شمال شرق سوريا حيث تحتفظ الولايات المتّحدة بحوالي 2000 جنديّ. لم يوضح الرئيس الأميركيّ المجال الاستراتيجيّ الذي تصبّ فيه هذه الأموال، فلم يحدّد مثلاً إذا كانت هذه المساهمات ستمدّد بقاء قوّاته في سوريا لفترة أطول أو إذا كانت تهيّئ المنطقة لمرحلة ما بعد الانسحاب.

في 18 آب، غرّد ترامب على "تويتر" معلناً إنهاء المساعدات الماليّة الأميركيّة "السخيفة" التي تخصّصها واشنطن سنويّاً إلى سوريا والتي تبلغ 230 مليون دولار. وأضاف: "السعودية ودول ثريّة أخرى في الشرق الأوسط ستبدأ بسداد المدفوعات عوضاً عن الولايات المتّحدة. أريد تطوير الولايات المتّحدة وجيشنا والدول التي تساعدنا!". تشير هيئة التحرير في صحيفة "ذا واشنطن بوست" إلى أنّ مسؤولي الرئيس الأميركيّ تمكّنوا من إقناع السعوديّة وحلفائها بدفع 300 مليون دولار لا 230 مليوناً فقط، من أجل إعادة الاستقرار إلى الرقّة والمناطق المجاورة. لكنّ الصحيفة ذكرت أنّ توصيف ترامب للمساعدات ب "السخيفة" هو أمر "من غير المرجّح أن يلهم ثقة بالالتزامات الأميركيّة الأخرى".

الدمار الذي لحق بالرقة خلال الحرب على داعش - "أ ب"

يعود كلّ ذلك إلى التخبّط الذي يبديه ترامب نفسه إزاء الملفّ السوريّ الذي لا يزال يتأرجح بسببه بين نزعته إلى عزل واشنطن عن مشاكل العالم ونزعته المضادّة بالتدخّل المحدود في بعض الحالات. لا شكّ في أنّ المسؤولين الأميركيّين لا يشاطرون ترامب معظم توجّهاته، ولهذا السبب أيضاً تعجز الإدارة الأميركيّة عن الإتيان بتصوّر واضح في هذا المجال.

صعوبة قراءة أفكاره

تؤشّر جميع هذه الوقائع إلى أنّ مستشاري ترامب، وكذلك حلفاء واشنطن الدوليّين، سيستمرّون في مواجهة صعوبات لقراءة أفكار البيت الأبيض وخطواته المقبلة في السياسة الخارجيّة. في 17 آب الحاليّ، أعلنت وزارة الخارجيّة الأميركيّة أنّ قرار إيقاف تمويل برامج إعادة الاستقرار "لا تمثّل أيّ تخفيض لالتزام الولايات المتّحدة بأهدافنا الاستراتيجيّة في سوريا". وتابع البيان أنّ الرئيس "أوضح أنّنا مستعدّون للبقاء في سوريا حتى ضمان الهزيمة النهائيّة لداعش، ونحن نبقى مركّزين على ضمان انسحاب القوّات الإيرانيّة ووكلائها" كما ذكر ضرورة التوصّل إلى حلّ سياسيّ للنزاع بالتوافق مع قرار مجلس الأمن الدوليّ 2254.

يرى البروفسور المشارك في شؤون الأمن القوميّ ضمن "المعهد الحربيّ البحريّ" جون كوك أنّه لو كان بيان الخارجيّة الأميركيّة صحيحاً لجهة تطابق الأفكار بين ترامب ومستشاريه في هذا الموضوع، فعليه عقد مؤتمر صحافيّ ليذكر بوضوح الإبقاء على القوّات الأميركيّة في سوريا. وكتب في صحيفة "ذا هيل" الأميركيّة أنّه عليه أيضاً مواصلة دعم جهود إعادة الاستقرار حتى التوصّل إلى حلّ سياسيّ هناك.

قطع الطريق

غالب الظنّ أن لا تطابق في هذا الموضوع بين الرئيس الأميركيّ والمقرّبين منه. شكّل بيان الخارجيّة أحد فصول الاختلاف الكثيرة بين المسؤولين الأميركيّين الذين يرون في إيقاف واشنطن مسؤوليّاتها الماليّة والعسكريّة في سوريا خطراً على المكاسب الأميركيّة في المدى الطويل وبين الرئيس الذي يريد الانسحاب بأسرع طريقة ممكنة إرضاء لقاعدته الشعبيّة. أمّا هويّة الفائز في هذا التباين فغير واضحة إلى الآن، لكن ما يقوم به ترامب بحسب "الواشنطن بوست" هو محاولة قطع الطريق على مستشاريه في ما يخصّ سوريا.

وزير الدفاع جايمس ماتيس ممثلاً المؤسسة التي ترفض حالياً فكرة الانسحاب الأميركي من سوريا - "أ ب"

تذكر الصحيفة أنّ مساعدي ترامب يحاولون إقناعه بالإبقاء على الوجود الأميركيّ في سوريا، بالتزامن مع الضغط على روسيا بدلاً من تلبية رغباتها ومصالحها. "إنّها سياسة معقولة – أو، على الأقلّ، الأفضل في مروحة من الخيارات السيّئة – لكنّ مقاومة الرئيس (لها) تعني أنّ حظوظ فاعليتها ضئيلة". 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard