النأي بالنفس والعقدة المستترة

18 آب 2018 | 12:32

المصدر: "النهار"

لم يكن الرئيس المكلف سعد الحريري ليدفع بالعلاقة مع سوريا إلى واجهة التعقيدات الحكومية لو لم يكن هذا الملف موجوداً في خلفية المواقف المتحكمة بعملية التأليف، ولو لم ينقل إليه، وبصيغة السؤال، أن المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب الوزير علي حسن خليل أعلن في مقابلة تلفزيونية أن على الحكومة العتيدة أن تدرج في بيانها الوزاري عودة العلاقات الطبيعية مع سوريا. الرئيس الحريري الذي فوجئ بهذا الموقف سارع الى الردّ على السؤال الصحافي بالقول" ساعتئذ لن تتشكَّل الحكومة بكل صراحة". 

دخل الرئيس الحريري لترؤس اجتماع "كتلة المستقبل"، ولدى خروجه عاد للوقوف مع الصحافيين الذين جاؤوا للدردشة الأسبوعية معه، شارحاً موقفه الذي ردّ فيه على من يستعجلون إقحام العلاقة مع سوريا كشرط مضاف على شروط التأليف الحكومي المثقل بمطالب داخلية حول الحصص والحقائب.

الحريري أكد ان لا علم لديه بأن أحداً وضع شرطاً بإدراج عودة العلاقات مع النظام السوري في البيان الوزاري، وخلاف ذلك يعني عدم تشكيل الحكومة، لأنه يرفض مثل هذا الشرط. وسأل" لماذا الاستعجال بطرح ملف تسلّمه الجانب الروسي؟ ملف النازحين تتولى روسيا معالجته، ولبنانياً هناك شخص مكلّف به هو المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبرهيم وقد نجح في مهمته."

يقول الحريري: "لا ضرورة لتنسيق خارج المستوى الامني"، مقراً بأن بين البلدين علاقات دبلوماسية، وسياسياً وزراء الثامن من آذار فاتحين على سوريا ولم يمنعهم أحد من زياراتهم اليها."

واعتبر الرئيس المكلّف "ان ليس صحيحاً ان فتح معبر نصيب، يحتاج تنسيقاً سياسياً مباشراً والدليل ان الاردن لم تدخل باتصالات او زيارات وزارية مع سوريا بشأنه، فلماذا يستعجل اللبنانيون إجراءات غير مطلوبة لا بل انها تسير بشكل اوتوماتيكي"؟ سؤال الحريري: "لماذا أتجاوز الروس لفتح خط مباشر مع النظام السوري الذي قد يستخدمه ضدي؟ ولماذا أعطيه مثل هذه الهدية مجاناً، ليعود بالعلاقات كما كانت عليه قبل العام 2005"؟

توالت الردود على الرئيس الحريري بدءاً من الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله ومن الرئيس نبيه بري، والمفاجأة ان الوزير علي حسن خليل لم يكن على علم بأنه كان المسبّب بموقف الرئيس الحريري، مستغرباً ما نسب اليه ونافياً ان يكون تطرّق في كلامه الى البيان الوزاري. وقال لسائليه: "إن كل ما قاله ان من ابرز الملفات امام الحكومة المقبلة اعادة ترتيب العلاقة مع سوريا، دون ان يأتي على ذكر عبارة البيان الوزاري".

تدحرج المواقف بشأن العلاقة مع النظام السوري أقحم الملف الحكومي بأحد العناوين الخلافية المتفاهم على تحييدها طالما أن جميع القوى السياسية ارتضت الانخراط بحكومة وحدة وطنية، وظنّ الرئيس الحريري ان الفريق الآخر يستعجل الخروج من النأي بالنفس، الذي يعني بالنسبة اليه خروجه من التسوية ومن رئاسة الحكومة، لأنها بذلك لن تكون حكومة الوفاق الوطني التي يصرّ عليها وعلى مقوماتها وفِي طليعتها الالتزام بسياسة النأي بالنفس. وهو ليس وحده في هذا التوجُّه. مثلما الفريق الآخر يشدّ باتجاه اعادة تطبيع العلاقة مع النظام السوري وبشكل رسمي في الحكومة المقبلة، إلى جانب الرئيس المكلّف قوى سياسية وازنة تتمسّك بالنأي بالنفس عن كل الملف السوري. وبما انه مكلف تشكيل حكومة يريدها حكومة وفاق وطني تعكس نتائج الانتخابات النيابية بجمعها القوى الفائزة في مجلس النواب، فيفترض ان تستمر سياسة ابعاد الملفات الخلافية عن الحكومة وبيانها الوزاري كما عن جلسات مجلس الوزراء، وخصوصاً أن الحكومة العتيدة ستكون مبنية على تركيبة الحكومة المستقيلة وعلى نهجها باتباع سياسة الامر الواقع وتحييد الملفات الخلافية.

مصادر بعبدا كما مصادر "الثامن من آذار" سارعت الى التأكيد ان سياسة النأي بالنفس ما زالت من العناوين المتفاهم عليها في حكومة وحدة وطنية تمّ تكليف الحريري من اجل تشكيلها، حتى وان كان لكل فريق تفسيره لهذا النأي بالنفس، وان ملف العلاقة مع سوريا، وكأي ملف آخر يشكل خلافاً بين المكونات الحكومية يترك النقاش فيه لمجلس الوزراء بعد تشكيل الحكومة.

وحرصت مصادر بعبدا على القول إن ما يهم رئيس الجمهورية هو الاسراع في تشكيل الحكومة وان المواضيع التي تتباين حولها مواقف الاطراف تبحث داخل مجلس الوزراء وليس خارج المؤسسسات الدستورية لا سيما أن الحكومة التي يعمل على تشكيلها يفترض ان تكون حكومة وفاق وطني.

من كل هذا السياق، تفهم خلفية الكباش الخفي وراء تشكيل الحكومة، وبين ان تكون حكومة اكثرية اَو حكومة وحدة وطنية يريدها الرئيس المكلف بمعايير تحفظ تمثيلاً وازناً له مع الفريق الذي يوصف بالسيادي ويعطي "القوات اللبنانية" و"الحزب التقدمي الاشتراكي" حصتهما التي يطالبان بها كاملة. صحيح ان الانفتاح على سوريا وإعادة التطبيع مع النظام السوري ليسا عقدة امام تشكيل الحكومة، انما هما عقدة مستترة آتية بعد التأليف وهي التي تظلّل العقد الداخلية لا سيما في حصتي "القوات" و"الاشتراكي". وقد بات واضحاً انهما يخوضان معركة دخولهما الحكومة معاً وبشروطهما وإلا قد يخرجان معاً وعندها لن يشكل الحريري الحكومة من دونهما، فتسقط كل التفاهمات، بدءاً من التسوية الرئاسية، وقد يدخل البلد في مواجهة جديدة، لا يعرف من اليوم طبيعة حكومة الأكثرية التي قد تعقبها والتي يلوّح بها البعض بمفاوضات التأليف المترنّح على حافة الهاوية.

houda.chedid@annahar.com.lb

Twitter: @HodaChedid


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard