بوتين في مواجهة أصعب لحظات حكمه؟

17 آب 2018 | 19:48

المصدر: "النهار"

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين - "أ ف ب"

بحسب بعض المؤشرات التي ظهرت منذ انتهاء قمّة هلسنكي وحتى اليوم، يبدو أنّ هنالك احتمالاً بأن يكون اللقاء التاريخيّ بين الرئيسين الأميركيّ دونالد #ترامب والروسيّ فلاديمير #بوتين قد أثمر نتائج معاكسة لرغبتهما المشتركة.

خلال الأسبوع الماضي، فرضت الولايات المتّحدة عقوبات جديدة على #روسيا بسبب استخدامها مواد كيميائيّة لتسميم الجاسوس الروسيّ سيرغي سكريبال فوق الأراضي البريطانيّة. لم تكن هذه الحزمة هي الأولى من نوعها لكنّها بالمقابل حملت دلالات كبيرة. فالناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف قال إنّه لا يمكن ربط الإجراءات الأميركيّة ب "الأجواء البنّاءة التي سادت الاجتماع الأخير للرئيسين". أمّا الناطقة باسم وزارة الخارجيّة الروسيّة ماريا زاخاروفا فتحدّثت عن أنّ روسيا "ستتّخذ إجراءات انتقاميّة" بعدما أنكرت أيّ علاقة لبلادها بحادثة التسميم. وذكّرت بأنّ #موسكو دمّرت مخزون أسلحتها الكيميائيّة بالكامل السنة الماضية.


مسار نحو مزيد من السلبيّة

أدّت العقوبات الأميركيّة إلى تراجع البورصة الروسيّة وهبوط الروبل أمام الدولار إلى أدنى قيمة له منذ حوالي السنتين. وبلغ سعر الدولار صباح الخميس في التاسع من آب، اليوم التالي لفرض العقوبات، 66 روبلاً. رئيس الوزراء الروسيّ ديمتري ميدفيديف أعلن أنّه لو طالت العقوبات أحد المصارف أو شملت حظر استخدام أيّ عملة فإنّ هذا سيقع في خانة "الحرب الاقتصادية". وهدّد بالردّ على هذه الحرب عبر "وسائل اقتصاديّة وسياسيّة وإذا لزم الأمر عبر وسائل أخرى". أتت هذه الإجراءات الأميركيّة في وقت تجري الحكومة الروسيّة أصعب عمليّة إصلاح لنظام التقاعد، وهي عمليّة لم ترضِ شرائح اجتماعيّة كثيرة داخل روسيا.

اللافت في العقوبات الأميركيّة أنّها قد تُفرض على دفعتين بحيث تبدأ الأولى الأسبوع المقبل حيث ستحظّر واشنطن صادرات التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج ويمكن أن تتبعها حزمة ثانية بعد ثلاثة أشهر قد تطال المصارف وتخفّض العلاقات التجاريّة والتبادل الديبلوماسيّ الثنائي. ويضاف إلى ذلك مشروع قانون آخر لفرض مزيد من العقوبات يعمل عليه الكونغرس.


"جوهر الاستقرار الماكرو اقتصادي"

يشرح أستاذ الاقتصاد في الكلّيّة العليا للاقتصاد والرئيس السابق لخدمة الأسواق الماليّة الفيديراليّة في روسيا أوليغ فيوجين أنّ إجماليّ الاستثمار الأجنبيّ في الديون السياديّة يبلغ حوالي 30 مليار دولار. ويكتب في صحيفة "ذا موسكو تايمس" أنّ هذا الاستثمار يشمل حصصاً كبيرة في المصارف الرئيسيّة والأسهم والسندات. تتعرض محفظة الاستثمار الكاملة لروسيا والبالغة أكثر من 70 مليار دولار، إضافة ل 30 مليار دولار من ديون الشركات المتأخّرة، للخطر.

وبعد مقترحات وجّهها لوزارة الماليّة والمصرف المركزيّ، لخّص فيوجين تداعيات الإجراءات الأميركيّة بأنّها ستؤثّر على "جوهر الاستقرار الماكرو اقتصاديّ" للدولة الروسيّة وقد أبدى تشاؤماً حول وضع الروبل.

"لا نريد الموت في العمل"

إنّ مجرّد إعلان العقوبات الأميركيّة أثّر على الأسواق الروسيّة بشكل كبير حتى قبل دخول مرحلتها الأولى حيّز التنفيذ. وإذا كان غياب اليقين مسيطراً على الأسواق الروسيّة فإنّ إصلاح نظام التقاعد قد يثير قلقاً داخليّاً إضافيّاً. أرسلت الحكومة المركزيّة مسودة قانون للبرلمان الروسيّ تقضي بموجبه رفع سنّ التقاعد من 60 إلى 65 عاماً للرجال ومن 55 إلى 63 عاماً للنساء. لكنّ بوتين قال في 20 تمّوز إنّ ذلك لم يكن القرار النهائيّ.

نقلت هيئة الإذاعة البريطانيّة "بي بي سي" في 28 تمّوز أنّ الآلاف احتشدوا في مختلف أنحاء روسيا للاعتراض على مشروع القانون رافعين شعارات تقول: "نريد أن نعيش من راتب التقاعد لا أن نموت في العمل". ووصل عدد المتظاهرين في شوارع #موسكو إلى حوالي 12 ألف. يبلغ متوسط المدى العمري المتوقع للرجال في روسيا حوالي 66 عاماً و77 عاماً للنساء (110 عالميّاً) بحسب منظّمة الصحّة العالميّة وهذا يعني أنّ كثيرين قد لا يحصلون على رواتب تقاعدهم. وفي مقابلة مع وكالة "رويترز" اشترت المهندسة ناتاليا إبيخينا، 52 عاماً، منزلاً تقضي فيه فترة تقاعدها لكنّ مشروع القانون الجديد "يعني أنّها ستحصل على وقت أقلّ للتمتّع به".

المهمة المستحيلة ... بوتين يخاطر

البروفسورة المساعدة في مادة التاريخ الروسي كيرستي أيرونسايد أكّدت في مقالها ضمن صحيفة "واشنطن بوست" الأميركيّة أنّه بإصلاح نظام التقاعد، يخاطر بوتين بتقويض أحد أبرز مصادر دعمه: الذين يعتمدون على هذا النظام لتأمين عيشهم. تشير الأستاذة في جامعة ماكجيل إلى أنّ المشكلة تكمن في مواجهة بوتين المهمة المستحيلة: إرضاء المواطنين المتقدمين في السن والذين يرون رواتبهم التقاعدية كحق وضمان، وهؤلاء يدعمون بوتين لهذا السبب تحديداً، وإرضاء المواطنين الأصغر سنّاً أصحاب المساهمات الأساسيّة في النظام والقلقين من احتمال عدم تمتّعهم بالحقوق والضمانات نفسها. تكتب أيرونسايد أنّ قوة بوتين ليست بدعمه الأفكار المحافِظة والقومية وحسب لكن أيضاً بتحسين مستوى عيش مواطنيه. وأضافت: "يرى بعض الروس اليوم بوتين تهديداً لرفاهيتهم. وما يقررونه سيكون له التأثير الأكبر على مصير بوتين السياسي الطويل المدى أكثر من أي شيء مرتبط بالرئيس ترامب أو بالعلاقات مع الولايات المتّحدة.

ستبقى قدرة بوتين على التعامل مع الأزمات محطّ مراقبة وثيقة. بالمقابل، كانت الأستاذة الجامعيّة قد لفتت النظر إلى أنّ "السياسات الداخليّة - لا التوتر مع الولايات المتّحدة - هي التي تفرض التهديد الأكبر على بوتين". لكن يبدو اليوم أنّ كلا العنصرين قد اجتمعا ضدّ الرئيس الروسيّ في توقيت واحد.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard