حين تبدُّل السنة

15 آب 2018 | 13:59

المصدر: "النهار"

تقلّبات (ريتا النخل).

آه أيّتها الذكرى- 

يا حلماً جميلاً

من ألوانِ الطيف

أحيّيكِ.

*

الحياةُ كالندى،

الحياة كرائحةِ الورودِ،

هكذا سريعاً تعبرُ-

كالندى حين يبزغُ النهارُ

كالأريجِ حين تهبُّ الريحُ.

*

آهٍ كم تبعدُ أيامُ طفولتي عني، 

إنَّها أبعدُ من القمرِ.

كيف سأفهمُها،

ولمن، يا قلبي المسكين، عساها تنتمي الآن؟

*

حين ينحني رجلٌ عجوزٌ

على طفلٍ،

تنهمرُ دموعي.

*

امرأةٌ طاعنةٌ في السنِّ

تفتِّشُ حالمةً

عن وجوهٍ

لم تنجبْها.

*

تتساقطُ السَّاعاتُ برقَّةٍ

في ليلِ الفُقدانِ العميق دونما نهايةٍ.

*

حِنّ يا قلبي،

حِنّ،

حتى لو لم تعرفْ قط

إلامَ.

*

لا تبرحني أيُّها الحزنُ

في الضياءِ، في الريح.

ابق، يا حزني.

*

أين تصحو الريحُ؟

أين ستخمدُ/ستهدأ، في النهايةِ،

حين تحلّ العتمةُ؟

*

تلك الضفة: نعم! 

الجسرُ الْمُرَاد: هو أيضاً!

لمَ تتردَّدين؟

*

برقَّةٍ مسَّتني نفحةُ جناحٍ أسود؛

مع ذَلِكَ أضحكُ.

*

الصمتُ الأشدُّ - الليلُ.

توهَّجْ لنا أيُّها القمر

في ظُلمةِ الوادي!

*

حين أكون حزينةً

أحلمُ الحلمَ القديمَ

الذي لطالما حلمتُه.

دوماً، حين أكون حزينةً.

*

السحبُ تجولُ هادئةً

كتائهين داخلَ ما لا ينتهي.

أيُّها الوقت، أين أضعتُ ذاك الوقت الرّائع؟

*

البيتُ المهجور،

العتمةُ، الوقتُ المُعاش.

نسمةُ أصواتٍ خرساء.

*

غسقُ المساء.

- وقتٌ طويلٌ بلا نهايةٍ

مضى كالحلمِ -.

*

(شتاءً)

هذا الجليدُ الكريستاليُّ

سيُحالُ توّاً

قطرةً في يدٍ دافئةٍ.

*

الثلجُ يذوب مفرقعاً،

بقعةٌ صغيرة خضراء-

أوَّل أيام الربيع!

*

الآن، في شباط،

تجرؤ فراشةٌ صغيرةٌ

على رفيفها الأول.

*

لم تزل هناك أوراقٌ ذابلة.

أي معجزةٍ أبقتها؟

رياحُ الربيعِ تهبُّ!

*

الزهورُ تتفتَّحُ.

الفراشاتُ تحلِّقُ مثنىً

في الهواءِ الدافئ.

آهٍ، أيّتها الأوقاتُ الحلوةُ

اتركي لنا ولو لحظةً.

*

كما في النهاراتِ المُشرقةِ

يشبهُ قمرُنا القديمُ الطيِّبُ

غيمةً صغيرةً!

*

مبتسماً يشيرُ رجلٌ عجوز

إلى شجرةٍ مُزهرةٍ على الطريقِ.

*

لو أنَّني أعيشُ وقتي مثلكِ دونما ذنوبٍ،

أيّتها الفراشة.

*

باردة كالمرمر

تشحبُ الأزهارُ

في ضوءِ ليلةٍ مُقمِرة.

*

قمرُ الربيع!

إنَّه القمر ذاته على الدوام.

فلمَ أبكي؟

*

(صيفاً)

ضوءُ الشفقِ اللطيف -

صمتُ الصباحِ الباكرِ.

وحدهُ الندى يتقطَّرُ.

*


الآن، في ضوءِ أوَّلِ الفجرِ،

يرتجفُ الندى في بيتِ العنكبوت، يبرقُ،

ويختفي.

*

مرَّةً كن البرعمَ

مرّة زهرة مكتملة

مرة بذرةً.

*

صباح اليوم - أواه -

ماتت فراشةٌ بهدوءٍ

في كأس زهرةٍ.

*

انظر موتَ الورودِ،

يا له من موتٍ ساحر.

- تساقط البتلات -.

*

فراشةٌ بيضاء تهفو إليّ،

تلعبُ حولي بلطافةٍ.

- عزلةُ الغابةِ -

*

غابةٌ خرساء تماماً.

خيوطُ الضوءِ تجوبُ بنعومةٍ

حول الجذوع.

*

مطرُ الصيفُ يتساقطُ.

من الحقولِ تنبعث رائحة الحشيش.

- أحدٌ ما يضحكُ!

*

يومٌ عابرٌ -

في برودةِ المساء تبقى أنغام الجداجد.

*

الساعةُ الخافتة - بين النّهارِ والليل -

التي تليق بي، بسنيني.

*

الغيومُ البنفسجيّة تتوهَّجُ

طويلاً بعد مغيبِ الشمس،

جادّة ومليئة بالأسرارِ.

*

كثير من الحزنِ

حين تغيبُ شمسُ المساءِ متوهّجةً.

*

بساتينٌ - صامتة بلا حراك.

أحقاً الحياة مجرّد نبضةٍ مدويّة؟

*

ليلةٌ دافئة.

على البحرِ المضاء بنورِ القمرِ،

تترنّحُ النوارس البيضاء.

*

بحيرة المساء -

فوق أرضكِ المُظلمةِ

يحلِّقُ قمرٌ فتي.

*

ليلٌ عظيمٌ صامتٌ -

يبدو في صور الأرض مهجوراً تماماً.

*

ليلةُ نجومٍ صافية -

سماءٌ في فضاء لا يُحَدّ، لا يُصدَّق - كالله -.

*

آه - قمرٌ أحمر!

هائل ومثيرٌ

طوال الليل.

*

مضى منتصف الليل.

لعبة ظلال القمرِ لم تزل.

الصمتُ يدوّي.

*

ليلٌ عظيم صامت -

دروب النجومِ تدور في حلقةٍ، باهتةً كالفضّة.

يرقص الأوريون، وكذا الدب الأكبر.


*

بركةٌ خفية.

أرضُ روحي صامتةٌ في الوحشةِ.

*

رائحةٌ قاتمة من البحرِ.

الأمواج ترمي قواقع محتضرة على الرمل.

*

أيّتها الضفة الصامتة -

روحي تلجأ إلى وحشتِكِ.

*

أوراق خضراء بعد -

لكنَّ حفيفها ينبعثُ في الريح.

الخريف!

في الحال! في الحال!

*

ذاتَ وقتٍ ستغدو الشجرةُ

بلا أوراق، خالية من زقزقزاتِ الطيور،

مغطاةً بالثلجِ، بيضاء كضوء القمرِ؛

- ذات وقتٍ ستغدو الأرضُ الدافئةُ -.

*

(خريفاً)

خريف! آهٍ منذ وقتٍ أحسُّ به في الريحِ، آن نزول المطر.

كلّ شيءٍ انتهى -على وجه السّرعة -

كذا أوقاتنا الحلوةُ.

*

إنَّها أجمل الآن،

إنها أجمل من وقتِ ازدهارها،

شجرةُ التوت البري.

*

ورقةٌ تسقط فوق أخرى.

تدورُ خفيفةً في الريح.

- حلمها القديم -.

*

الأوراق تتساقط.

دونما شكوى، دونما صراخ

تتساقط الأوراق.

*

بتفانٍ تتفتَّح وردةٌ، وحيدةً

في ضبابِ نوفمبر.

*

دونما صوتٍ تنفخُ الريحُ.

قريباً لن يبقى فوق الأغصانِ سوى الغربان.

*

كلّ الأعباء تبدو مضاعفةً

في الأيام الماطرة -

لو أن رياح الخريف تهبّ.

*

وتهبّ الرياحُ،

 الرياح الدافئة، الرياح الباردةُ،

حول شعري الأبيض.

*

أواخر الخريفِ - آهٍ -

لطيفاً يتسللُ ضوءُ الفانوسَ عبر الضباب.

*

الأوراق المبللة تغرقُ،

كما ضوء المساء البنيّ

في وحل نوفمبر.

*

الآن، عجوزةً أتفكَّرُ

بينما في الخارج ينهمرُ المطرُ.

الدمعُ ينسالُ.

*

ليال طويلة، قلقة.

الخلقُ كلّه يصمتُ.

مُنصتةً أتمدَّدُ دونما نوم.

*

حين تمسُّ رياحُ الليل

شعري الأبيضَ، كأنَّها يدٌ مُنهَكة،

تنهمرُ الدموع: لم أصلْ مبتغاي!

*

أواه، كم الطقس باردٌ.

 لكن الأقحوان الذهبي

 لم يزل يزهرُ.

*

في ظُلمةِ كانون

تحلِّقُ بومةٌ ناعقةً.

آه، كم يرهبني ذلك.

*

آهٍ يا ليل ديسمبر!

صامتةً تترقّبُ المخلوقاتُ،

كلٌ بطريقته.

*

الآن،

ساكنة الريحُ، ساكنة المياه -

كل شيء ساكنٌ.

آه - الغرقُ.

*

يعزّينا أن نرى

كيف يزيّنُ ضوء القمر الساكنُ

الموتَ.

*

قبرٌ منسي.

حتى الموت الراقدُ فِيهِ

لم يعد يؤلمُ.

*

أريد أن أمضي خلل حياتي

مدّةً أخرى.

لكن، بعدئذٍ،

سأصيرُ ثانيةً رمالاً وطيناً،

حرّةً - بلا دموع -

*

(شتاءً)

بياضُ الشتاء ينتشرُ

ليُجمّلكِ أيّتها الطبيعة النائمة.

*

فوق مدينتي

قمرٌ ضبابيٌ باهت -

بالكاد يلاحظه المرءُ!

*

الآن، في المساء،

تنسجُ سماءُ الشتاء نفسها

آه - كم هي فسيحة ومقفرة.

*

إنَّه الشتاء.

شمس باردةٌ تتجمَّد

فوق جليدٍ فضي.

*

العاصفة تعوي حول البيتِ.

الثلجُ يهوي على زجاج النافذة

في ليلة شتائية.

أنا، أمام ضوء المصباح الخفيف،

أفكّر في زمن مضى.

*

بياض لم يُمَس.

طالعةً صوب السَّماء

لم أر سوى أثري.

*

وحيدةً أمضي.

مُحدّقة خلفي بمنازل مدينتي،

مدركةً

أنَّه في مكانٍ آخر وطنٌ آخر.

*

الشاعرة الألمانية إيلين هاسمان رولاندت ولدت سنة 1907 في مدينة درسدن الألمانية. في أواسط حياتها الطويلة لاحظت، فجأة، أن رابطاً متيناً يربطها بالفلسفة الشرقية البعيدةِ، وكذلك بنمط الحياة الياباني. كتبتْ قصائدها بأسلوب الشعراء اليابانيين (هايكو - تانكا).

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard