الدفاع عن الاتّفاق النوويّ ... باب لتحالف أوروبّي روسيّ؟

15 آب 2018 | 13:18

المصدر: "النهار"

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً نظيره الروسي فلاديمير بوتين في قصر "لو غران تريانون" في فرساي، أيار 2017 - "أ ب"

من أبرز الفرص التي يمكن أن يوفّرها انسحاب واشنطن من الاتّفاق النوويّ، إمكانيّة بناء أسس لخريطة تفاهمات جديدة بين الاتّحاد الأوروبي وروسيا. وربّما تساعدهما على ذلك جملة التوتّرات الأميركيّة الأوروبية التي طرأت خلال الشهرين الماضيين. على صعيد الحماية المباشرة لهذا الاتّفاق، قد تكون المصلحة المشتركة باعتماد سياسة موحّدة بين الطرفين واضحة. 

في 20 حزيران الماضي، قال نائب وزير الخارجيّة الروسيّ ألكسندر غروشكو خلال مؤتمر لجمعيّة الأعمال الأوروبّيّة إنّ بلاده ستدعم بقوّة التطبيق المستمرّ للاتّفاق مضيفاً: "سندعم الجهود البارزة المتّخذة من قبل الاتّحاد الأوروبّي. نحن جاهزون للانضمام إلى حزمة الإجراءات الحمائيّة التي طوّرها الاتّحاد الأوروبّي".

زيارات ذات دلالة

في 24 أيّار، سافر الرئيس الفرنسيّ إيمانويل #ماكرون إلى سانت بطرسبورغ حيث التقى بنظيره الروسيّ فلاديمير #بوتين خلال المنتدى الاقتصاديّ الدوليّ. جاءت تلك الزيارة بعد حوالي أسبوع واحد على استقبال #موسكو للمستشارة الألمانيّة أنجيلا #ميركل. بدا الأوروبّيّون في ذلك الحين مستعدّين لفتح صفحة جديدة مع روسيا عقب قرار الرئيس الأميركيّ دونالد #ترامب بسحب بلاده من الاتّفاق في الثامن من الشهر نفسه. بقيت بريطانيا حينها ملتزمة بموقفها السلبيّ تجاه روسيا بعد اتّهامها إيّاها بتسميم جاسوس سابق على أراضيها.


ماكرون وبوتين على منصّة تتويج المنتخب الفرنسي الفائز بكأس العالم في روسيا، تموز 2018، "أ ب"


لكنّ التمايز الألمانيّ والفرنسيّ عن البريطانيّين أظهر وجود نوع من الاستعجال في لندن وبرلين لطيّ صفحة الماضي ولو جزئيّاً مع موسكو للتقرّب منها بغية حماية الاتّفاق النوويّ. وخلال زيارته تحدّث ماكرون عن وجوب "تعزيز الثقة المتبادلة" بين باريس وموسكو، معلناً أنّه سيعاود زيارة #روسيا لو وصلت بلاده إلى نهائيّ بطولة كأس العالم، وقد وفى بوعده في 15 تمّوز. ظهر ماكرون في غالبيّة الأوقات قريباً من الرئيس الروسيّ حتى خلال احتفال الفرنسيّين بالفوز داخل إحدى غرف ملعب لوجنيكي. وبدا أنّ في تلك المناسبة ما قد يحمل صياغة علاقة شخصيّة بين رئيسي البلدين.

تضحيات

صبّت هذه الزيارات والتصريحات في خانة محاولة تقرّب الأوروبّيّين من موسكو. لكنّ عناصر اكتمال فرصة التقارب لم تتوفّر كلّها. وكانت أولى العقبات مرتبطة بنظرة التشكيك المتبادلة بين الطرفين أكان في ما يتعلّق بالاتّفاق النوويّ نفسه أو بالخلافات الأخرى.

صحيح أنّ روسيا تدعم جهود إنقاذ الاتّفاق وتقول إنّها لن تلتزم بحظر التعامل مع الإيرانيّين. لكنّها بالمقابل، تنتظر من أوروبّا أكثر من مجرّد محاولات ديبلوماسيّة في هذا المجال. بالنسبة إلى بعض الروس، المطلوب من الاتّحاد الأوروبّي قراءة المتغيّرات التي طرأت على الساحة الدوليّة خلال السنوات الماضية. ويعني ذلك ضمناً حثّاً لبروكسيل على التقرّب أكثر من موسكو وفي الوقت نفسه، الابتعاد عن حلفها الأطلسيّ التاريخيّ.

لكنّ تقرّباً كهذا يهدف إلى إظهار مواجهة موحّدة للسياسة الأميركيّة بقي محطّ تشكيك من محلّلين روس. بحسب هؤلاء، قد لا يملك الأوروبّيّون هامش تحرّك واسعاً لأنّهم غير راغبين أساساً بالابتعاد كثيراً عن حلفهم التقليديّ مع الولايات المتّحدة. من هنا، طالب المراقبون والمسؤولون الروس بوجوب بذل الأوروبيّين مزيداً من التضحيات في هذا المجال.

هل تطلب روسيا الكثير؟

وفقاً لمنتدى "فالداي" الروسيّ، لا يستطيع ترامب التوصّل إلى اتّفاق نوويّ جديد إلّا عبر "تركيع" إيران وهو الهدف الحقيقي للرئيس الأميركي بحسب مدير "مركز دراسات الأمن والطاقة" ومقرّه موسكو أنطون خلوبكوف. لكنّ "تركيع" إيران يعني "تفاقم الوضع في منطقة هي متقلّبة أصلاً". وبحسب ندوة عقدها في أيّار الماضي وحاضر فيها كلّ من خلوبكوف ونائب وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي ريابكوف، كان هنالك تساؤل عمّا إذا كانت "أوروبا ستخاطر بمزيد من الفوضى في الشرق الأوسط من أجل الوحدة عبر الأطلسي".

يعني هذا الكلام أنّ أوروبّا لن تضحّي بعلاقتها مع الولايات المتّحدة من أجل إنقاذ الاتّفاق بحسب وجهة النظر هذه. لكن لا يرتبط الموضوع فقط بالنيّة الأوروبّيّة في الحفاظ على شراكتها العابرة للأطلسيّ بمقدار ما يتعلّق أيضاً بقدرة الشركات الأوروبّيّة على تفادي العقوبات الأميركيّة. فحتى شركة "لوك أويل" الروسيّة أعلنت أواخر أيّار تعليق نشاطاتها في إيران.

مصلحة "ظرفيّة" ... ولكن

"إنّه اتحاد مصلحة ظرفيّ، قصير المدى". هكذا رأى ماثيو بوليغ، باحث في الشؤون الروسيّة ضمن معهد "تشاتام هاوس" الملكي، احتمال وصول أوروبا وروسيا إلى علاقات أفضل بسبب الاتّفاق النوويّ. وشرح في مجلّة "ذي اطلانتيك" الأميركيّة أنّ كلا الطرفين دعما أفرقاء مختلفين في النزاع السوريّ، إضافة إلى أنّ أوروبا تستمرّ مع الولايات المتّحدة بفرض عقوبات قاسية على موسكو بسبب ضمّها للقرم سنة 2014.


قمة هامبورغ تجمع بوتين وماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، تموز 2017 - "أ ب"


وفي جميع الأحوال، يبدو إلى الآن أّنّ الأوروبّيّين ليسوا في وارد التشبّث المطلق بعلاقتهم مع #واشنطن لأنّهم بدأوا يهيّئون أنفسهم لعصر جديد لا تكون فيه الولايات المتّحدة شريكهم الدائم في كلّ المجالات. وعدم توقيع الولايات المتّحدة على البيان الختاميّ لمجموعة الدول السبع وتصريحات الرئيس الأميركيّ المتضاربة تجاه دول حلف شمال الأطلسيّ وغيرها من التوتّرات، مؤشّرات إضافيّة على أنّ أوروبّا مضطرّة لسلوك مسارها الخاص في المستقبل. وسيكون جزء من هذا المسار منفتحاً على الروس في الغالب، بصرف النظر عن وجود صعوبات حقيقيّة. قد لا تستطيع موسكو تشكيل تحالف طويل المدى مع بروكسيل بسبب الاتّفاق النوويّ، لكنّهما قد تتمكّنان من وضع خطّة مشتركة لحمايته. من هنا، لن يكون بالإمكان الحديث عن تحالف بينهما، لكن بالحدّ الأدنى عن تفاهم مرجّح.

بحسب بوليغ: "هذا هو جوهر الديبلوماسيّة. إنّ عدم كونكما صديقين في إحدى المسائل لا يعني أنّه لا يمكنكما أن تكونا صديقين في واحدة أخرى".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard