لماذا تهتمّ الصين بهجوم عسكري محتمل على إدلب؟

13 آب 2018 | 13:17

المصدر: "النهار"

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستضيفاً الرئيس الصيني شي جينبينغ وزعماء آخرين بمناسبة الذكرى السبعين على استسلام ألمانيا النازيّة، 9 أيار 2015 - "أ ب"

مع تزايد الحديث عن اللجوء إلى الحلّ العسكريّ في إدلب، نقلت صحيفة "الوطن" السوريّة تصريحاً لافتاً لسفير الصين في دمشق تشي تشيانجين أعرب فيه عن نيّة الجيش الصينيّ المشاركة "بشكل ما" في معركة إدلب أو في أي مكان آخر في سوريا. وأضاف في حديث إلى الصحيفة في الأول من هذا الشهر: "كما نعرف إنّ مكافحة الإرهاب ومعركة سوريا ضدّ الإرهابيّين ليست فقط لمصلحة الشعب السوريّ بل لمصلحة الشعب الصينيّ وشعوب العالم، وقد جرى تعاون جيّد بين جيشينا في مكافحة الإرهابيّين من كلّ دول العالم ومن ضمنهم الإرهابيّون القادمون من الصين وسوف يستمرّ هذا التعاون بين الجيشين والجهات المعنيّة". 

وقال الملحق العسكريّ وانغ روي تشينغ للصحيفة نفسها إنّ "التعاون بين الجيشين السوريّ والصينيّ مستمرّ". وأشارت "الوطن" إلى أنّه "في أواخر العام الماضي، تحدّثت تقارير إعلاميّة عن وصول قوّات خاصّة صينيّة إلى سورية لدعم الجيش العربي السوري في مكافحة حركة تركستان الشرقيّة الإرهابيّة الذين رصدت الدولة وجودهم في ريف دمشق".

"إساءة تفسير"

جاء حديث السفير الصينيّ ردّاً على أسئلة حول إمكانيّة مشاركة بلاده في العمليّات العسكريّة خصوصاً ضدّ إرهابيّي الأويغور الذين يقاتل جزء كبير منهم في محافظة إدلب. لكن في التاسع من آب، ذكرت صحيفة "غلوبال تايمس" الصينيّة أنّ السفارة في دمشق نفت تقرير "أنّ الصين أرسلت قوّات عسكريّة للمشاركة في العمليّة العسكريّة للحكومة السوريّة خلال معركة إدلب". وأضاف بيان السفارة أنّ "الصين لم ترسل مطلقاً أي قوّة عسكريّة في أيّ عمليّة عسكريّة قادتها الحكومة السوريّة" مشيراً إلى أنّ الصين تدعم بقوّة التسوية السياسيّة السلميّة للأزمة السوريّة، غير أنّ الصين تدعم سوريا في صراعها ضدّ الإرهاب.

ولفت البيان النظر إلى أنّ الصحيفة السوريّة "أساءت تفسير" ما قاله السفير الصينيّ والملحق العسكريّ. وقال مصدر في وزارة الخارجيّة لوكالة "سبوتنيك" إنّه لم يكن على علم بوجود خطط صينيّة للتدخّل في المعركة لكنّه "رحّب بأي دعم" في هذا المجال.

"الأمن الصينيّ بمثابة أمن بلدنا"

بغضّ النظر عن التقرير الصحافيّ والنفي الذي صدر لاحقاً، هنالك أكثر من سبب كي تبدي #الصين اهتمامها بمعركة إدلب المرتقبة. بعد يومين على التقرير الصحافيّ، أعلن وزير الخارجيّة التركيّ مولود جاويش أوغلو أمام نظيره الصينيّ وانغ يي أنّ "الأمن الصينيّ بمثابة أمن بلدنا" متعهّداً عدم السماح "لأي ناشط معاد للصين في تركيا على الإطلاق". ويوم أمس الأحد، قُتل 23 شخصاً على الأقل في تفجير مقرّ يقطنه مقاتلون آسيويّون من فصيل أجناد القوقاز بحسب ما قاله مدير المرصد السوريّ لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن لوكالة الصحافة الفرنسيّة. وتقطن غالبيّة أقلية الأويغور المسلمة في إقليم شينجيانغ أقصى شمال غرب البلاد. وللصين مخاوفها من "الحزب الإسلاميّ التركستانيّ" الذي يطالب بالانفصال عن الصين فيما تصنّف "حركة شرق تركستان الإسلاميّة" على لائحة الإرهاب. وانضمّ مقاتلون أويغور إلى داعش والنصرة في #سوريا، ومن هنا يأتي أحد أوجه الأهمّيّة التي توليها بيجينغ للحرب المحتملة على إدلب.

"لم نأبه بمن كان الأسد"

ضمن تقرير لها في كانون الأوّل 2017، أشارت وكالة "أسوشييتد برس" إلى أنّه منذ سنة 2013، سافر آلاف الأويغور الناطقين باللغة التركية من الصين إلى سوريا للقتال إلى جانب "الحزب التركستانيّ الإسلاميّ". وقال علي، أويغوري تعرّض للتضييق والتعذيب في الصين، خلال حديث للوكالة نفسها: "لم نأبه كيف كان الصراع أو من كان الأسد. لقد أردنا أن نعلم كيفيّة استخدام الأسلحة ثمّ العودة إلى الصين"، للانتقام. وانتقل إلى ماليزيا حيث حصل على وثيقة سفر تركيّة وعمل في اسطنبول قبل أن يتوّجه إلى سوريا للتدرّب على حمل السلاح. ولم يكن الأويغور التسعة الذين قابلتهم الوكالة يعرفون الكثير عن الإسلام السياسي الذي غذّى الجهاد العالميّ قبل أن يصلوا إلى سوريا، ومع ذلك، ظلّ هدفهم تعلم القتال لاستخدامه في الصين.

وربّما هذا الهدف هو ما يقلق الصين كثيراً، طالما أن لا فرق عمليّاً بين من يريد ضرب أمنها باسم الارهاب أو الانتقام. لذلك، قد تكون المعركة الأخيرة في إدلب ذات أهمّيّة خاصّة تدعو بيجينغ لرفع مستوى التنسيق الأمنيّ مع دمشق بالحدّ الأدنى.

أمل تركيّ؟

من جهة ثانية، إنّ لغة الأويغور التركيّة جعلت من هذه الأقلّيّة ورقة سياسيّة بيد أنقرة استغلّتها في المرحلة السابقة بحسب بعض التقارير. في كانون الثاني 2015، أعلنت صحيفة "غلوبال تايمس" أنّ بيجينغ أوقفت تسعة أويغور وعشرة أتراك أصدروا جوازات سفر مزوّرة لأويغور كانوا يرغبون بمغادرة البلاد إلى عدد من الدول وأبرزها سوريا. وأشارت تقارير إلى أنّ مقاتلين من تلك الأقلية وصلت إلى شمال سوريا عبر #تركيا. لكن مع ازدياد الضغوط على أنقرة، قد يصبح الدعم التركيّ المفترض لهؤلاء عبئاً ثقيلاً عليها. لذلك، أبدى أوغلو كلاماً منفتحاً أمام نظيره الصينيّ آملاً ربّما أنّه مقابل التطمينات التركيّة، تحصل #أنقرة على ضمانات صينيّة عن عدم المشاركة في الحرب على إدلب أو حتى فتح قنوات مع #دمشق وربّما مع #موسكو من أجل تحجيم عمليّاتهما العسكريّة المحتملة.

صداع

قبل صدور النفي عن السفارة الصينيّة، توقّع معهد "ستراتفور" أنّه حتى لو شاركت الصين في حملة استعادة إدلب، "وهو أمر بعيد عن أن يكون مؤكّداً"، فسيبقى هذا التدخل محدوداً ومقتصراً على نشر مستشارين عسكريّين ومسؤولين استخباريّين وربّما بعض قوات العمليات الخاصّة. وإن تحقّق هذا الأمر فقد تنشر الصين وحدة من "كوماندوس النمر الثلجيّ" التي تتمتّع بخبرة ملحوظة في مكافحة الإرهاب.

حتى ولو لم ترسل الصين أيّ قوّة عسكريّة إلى إدلب، فهذا لا يعني عدم مراقبتها عن كثب لما سيجري في المحافظة، بحيث يتصاعد حجم تلك المراقبة لتصل إلى مستوى التنسيق السياسيّ والأمنيّ بين العاصمتين. ففي نهاية المطاف، تودّ الصين أن ترى معظم مقاتلي الأويغور قد قضوا في أي معركة مقبلة كي تتمكّن من تتبّع ما تبقّى من العائدين إلى بلادهم. بحسب بيثاني ألان إبراهيميان في موقع "ذا دايلي بيست" يبقى خطر الأويغور "تهديداً وجوديّاً" للصين.

القلق الصينيّ ليس مرتبطاً فقط باحتمال زعزعة الاستقرار الأمنيّ في إقليم شينجيانغ بل وأيضاً احتمال إثارة أي نزعات انفصاليّة مستقبليّة داخل الإقليم. وهو صداع آخر لا ترغب بيجينغ بتحمّله...


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard