اللاجئون رهائن... بين البحر والحرب

9 آب 2018 | 16:26

أسى اللجوء (أ ف ب- أ ب).

"كان المركب يتخلع ويذوب فوق الماء الذي يشرب النساء والرجال والأطفال"، هكذا وصف اللاجئ الشاعر الإيريتري المعاصر أبو بكر كهال رحلات الموت التي حولت البحر الأبيض المتوسط الى مقبرة جماعية

قصصٌ مرعبة سمعتها الفرق العاملة مع منظمة "أطباء بلا حدود" من الأشخاص الناجين من العنف، الابتزاز، العنف الجنسي، الاعتقال التعسّفي والعمل الإجباري في أماكن مختلفة من حول العالم كطريق البلقان، وأميركا الوسطى، وبنغلادش، حيث يقيم غالبيتهم في مخيمات للاجئين ضمن ظروف غير آمنة، ومزدحمة، وغير صحية. وسعت فرق منظمة "أطباء بلا حدود" في دول عدة كبنغلادش إلى متابعة تدفق الناس ومن بينهم المصابون بصدمات شديدة، والمحتاجون إلى الرعاية الطبية. إذ يعاني كثير منهم من إصابات ناتجة من أعمال العنف، أو جروح ملتهبة بشدة، أو مضاعفات الولادة. ويُضاف إلى كل ما سبق معاناة الوصول إلى بر الأمان من خلال عبور البحر المتوسط الذي يشهد على مخاطرة الناس بحياتهم عبر ركوب القوارب المطاطية.

لم يملك هؤلاء الأشخاص المحرومون من الخيارات البديلة سوى اللجوء إلى الرحلات البحرية المميتة بغضّ النظر عن مخاطرها بحثاً عن طريق آمن للهرب من المستويات المرعبة من العنف. في حين تفرض الحكومات الأوروبية سياسات الإقصاء والردع التي تهدف إلى "وقف التدفق" البشري بأي ثمن، صامةً آذانها عن أنين الأوجاع، ومغمضةً عينيها عن مآسي أناسٍ يسعون للهرب من الحروب والمعاناة بحثاً عن الخلاص بعدما أقفلت كل السبل في وجههم.

مجدداً بعد شهر من الشلل في ميناء مرسيليا، غادر مركب الإنقاذ أكواريوس، الذي تديره منظمة "أطباء بلا حدود" بالشراكة مع منظمة "أس أو أس ميديتراني"، بعد فترة ممتدة من بقائه في الميناء عائداً إلى وسط البحر المتوسط لتقديم المساعدة للأشخاص المنكوبين في عرض البحر الذي تعتبره المنظمة من أكثر المسارات فتكاً في العالم مما يستدعي تقديم المساعدات الإنسانية أكثر من أي وقت مضى، وذلك تزامنًا مع عدم بقاء أي سفن إنسانية تقريبًا في البحر، وفي ظل عدم وجود آلية مخصصة للبحث والإنقاذ من الدول الأوروبية. إنَّ الرجال والنساء والأطفال على متن أكواريوس هم أناس فروا من النزاع والفقر وعانوا الإساءة والاستغلال، ومنهم قاصرون غير مصحوبين بذويهم، ومرضى وجرحى ونساء حوامل ونساءٌ يسافرن مع أطفال. ورغم ذلك، لا ترى الحكومات الأوروبية أن إنقاذ حياة المهاجرين واللاجئين الضعفاء في البحر أمراً ذا أولوية، ولم تقدم هذه الحكومات الدعم الكافي للدول الموجودة في الخطوط الأمامية كإيطاليا واليونان التي تتعامل مع الغالبية العظمى من طالبي اللجوء، كما أنها لم تتحمل مسؤولياتها في تقاسم استقبال طالبي اللجوء في أنحاء أوروبا. تشدد المنظمة على أنه يجب عدم منح الأولوية للاعتبارات السياسية مقابل سلامة مئات الأشخاص العاجزين. إذ إنّ ما نشهده حالياً في البحر المتوسّط من ضعفٍ في عمليات البحث والإنقاذ هو انعكاسٌ لغياب تحمّل المسؤولية المشتركة في الاتحاد الأوروبي تجاه طالبي اللجوء، وعدم فاعلية عمليات إعادة التوطين ضمن الاتحاد، ما يمكننا التعبير عنه بفشل نظام اللجوء. وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى أنه في 26 حزيران/ يونيو، وفي تطور آخر غير مسبوق، رفضت السلطات المالطية منح الإذن لرسو روتيني في رصيف مينائها لكل من سفينة البحث والإنقاذ أكواريوس وسفينة برواكتيفا. فتوجهت أكواريوس إلى ميناء مرسيليا بفرنسا، حيث أُجبرت مرة أخرى على البقاء بعيداً من منطقة البحث والإنقاذ الدولية، مما عرَّض حياة الناس للخطر. كانت هذه المرة الأولى التي يرسو فيها مركب أكواريوس في الميناء لأكثر من شهر واحد، منذ أكثر من عامين على عمليات البحث والإنقاذ المتواصلة في وسط البحر الأبيض المتوسط​​. وكان الرُسو الممتد نتيجة للتغييرات الهامة المرتبطة بسياق ما حدث في وسط البحر المتوسط ​​والتي أثرت بشدة على عمليات الإنقاذ. وتم تجريم المنظمات الإنسانية التي تنفذ أنشطة البحث والإنقاذ وعرقلة عملها من موانئ في إيطاليا ومالطا. ولكن على الرغم من تزايد صعوبة الوضع في وسط البحر الأبيض المتوسط، بقيَ هدف المنظمة متمثلًا في إنقاذ حياة الأشخاص في البحر في سبيل الحيلولة دون غرق الرجال والنساء والأطفال، وإيصالهم إلى مكان آمن تُلبى فيه حاجاتهم الأساسية وحماية حقوقهم وضمانها، إذ إنَّ إنقاذ الأشخاص المنكوبين في البحر يظل التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا، كما أنَّ الاستهانة بحياة البشر أمرٌ مروع.

إنقاذ 2,350 مهاجراً ولاجئاً منذ بداية عام 2018

إنَّ تدفق مئات المهاجرين من أفغانستان وباكستان وبنغلادش، وغيرها من الدول العربية والأفريقية إلى ليبيا التي اتخذوها طريقاً للوصول إلى البحر المتوسط الذي ينتقلون عبره إلى أوروبا، خيارهم الوحيد المتبقي في ظل الاضطهاد السياسي والفقر والعنف وعدم الاستقرار في بلادهم. من حالفه الحظ وصل إلى أوروبا، فيما كان الموت مصير ما يصل إلى 35 ألف شخصٍ. لذلك، بدأت منظمة "أطباء بلا حدود" منذ نيسان 2015 بعمليات البحث والإنقاذ في وسط البحر المتوسّط. وقد استهلت هذه العمليات في 26 شباط عام 2016. وفي 6 أيار عام 2016 بدأ فريق "أطباء بلا حدود" المكوّن من 8 أفراد بتقديم الدعم الطبي والإنساني على سطح السفينة. وفي عام 2017، قامت فرق "أطباء بلا حدود" ومنظمة "اس او اس ميديترانيي" بإنقاذ/ نقل 15,078 شخصاً عبر 127 عملية بحث وإنقاذ. ومن 1 كانون الثاني وحتّى 8 حزيران عام 2018، أجرت منظمتا "أطباء بلا حدود" و"اس او اس ميديتراني" عمليات إنقاذ و/أو نقل 2,350 شخصاً. كما قدّمت 2,384 استشارة على متن سفينة أكواريوس للأشخاص المحتاجين الذين جرى إنقاذهم.

وتفيد إحصاءات منظمة الهجرة الدولية التابعة للأمم المتحدة أنه خلال شهر حزيران 2018، وصل 13,808 لاجئين، مهاجر وطالب لجوء إلى إيطاليا، ولكنْ على الرغم من مساعي الإنقاذ، لقي ما يزيد على 500 شخص حتفهم غرقاً في عام 2018 أثناء محاولتهم عبور البحر.

نظام اللجوء في الاتحاد الأوروبي فشل!

تدرك الحكومات الأوروبية تماماً مستويات العنف والاستغلال المقلقة التي يعانيها اللاجئون وطالبو اللجوء والمهاجرون، غير أنَّ هذه الحكومات مصمّمة على منع الناس من الوصول إلى أوروبا بأي ثمن. وهناك جزء أساسي من استراتيجية إغلاق البحر المتوسط يتعلق بتجهيز وتدريب ودعم خفر السواحل الليبي لاعتراض الناس في البحر وإعادتهم إلى ليبيا. وفيما يواصل المهربون لأهداف مادية ربحية، وغير المهتمين بحياة الأشخاص، بوضع الناس على طريق الخطر مستخدمين سفناً مهترئة وغير صالحة للإبحار، بات من الضروري وضع نظام صارم وفعال لإنقاذ حياة البشر في البحر الأبيض المتوسط. وطالما أن هذا القانون غير موجود حتى الآن، فإن سفن الإنقاذ التابعة للمنظمات غير الحكومية لها دور حيوي تؤديه لتقديم المساعدة إلى الأشخاص الذين يصارعون في البحر بهدف منع حدوث خسائر في الأرواح. لذلك، تطالب منظمة "أطباء بلا حدود" الحكومات الأوروبية بوقف السياسات التي تحكم على المستضعفين بالبقاء في ليبيا أو تتركهم ضحية الموت في البحر. هذه الحكومات التي كانت منذ بضعة أشهر تدين تقارير عن أسواق العبيد في ليبيا، لا تتردد اليوم في تصعيد السياسات التي تزيد من معاناة الأشخاص المحاصرين، والذين تتمثّل جريمتهم بمحاولة الهروب من النزاع أو العنف أو الفقر. كما تحضّ المنظمة هذه الحكومات على العودة إلى مكان المسؤولية والإدراك بأننا نتحدث عن أرواح ومعاناة بشرية. ويمكنهم البدء بالالتزام بالبحث والإنقاذ وتسهيل الإنزال السريع للركاب في أماكن الأمان، إذ إنَّ إنقاذ حياة الأشخاص اأولوية عاجلة. لذا، سيواصل مركب أكواريوس إنقاذ الأشخاص المنكوبين مع كامل الاحترام والامتثال للقانون البحري، بالتنسيق مع كافة السلطات البحرية ذات الصلة في ما يتعلق بالاتفاقيات البحرية الدولية.

كما تشدد منظمة "أطباء بلا حدود" على أنه ينبغي عدم إعادة اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين الذين يعترضون في البحر إلى ليبيا. ولذلك، فإن أكواريوس ملزم برفض أي تعليمات من السلطات البحرية تفيد بإنزال الأشخاص الذين أنقذوا من البحر في ليبيا، أو نقل الأشخاص الذين يتم إنقاذهم في البحر إلى أي سفينة قد تنزلهم في ليبيا... ذلك أن ليبيا ليست مكاناً آمناً بالنسبة للاجئين، وطالبي اللجوء، والمهاجرين. فالمكان الآمن هو الذي تتم فيه تلبية حاجاتهم الأساسية، ويمكنهم فيه السعي للحصول على الحماية التي يستحقونها، ولا يكونون فيه معرضين لخطر مواجهة المزيد من الانتهاكات وسوء المعاملة – وهو أمر غير موجود في ليبيا في الوقت الحاضر.

من الواضح أننا في عصر التحديات الكبيرة التي ستزداد سوءاً. ويبدو أن الحواجز والجدران تتزايد وترتفع فيما يستمر الناس في الانتقال إلى بلدان أكثر أماناً بحثاً عن مستقبل أفضل. ولكن على الرغم من كل ذلك لا يمكن السماح للسياسة بأن تنال من حياة الناس وكراماتهم.

* جيهان بسيسو، المديرة التنفيذية لمكتب منظمة أطباء بلا حدود الإقليمي في لبنان

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard