جنات الأرز الطائر واللزاب أعالي مشمش العكارية... عمرها قد يتخطى الألفي سنة (صور)

8 آب 2018 | 18:25

المصدر: "النهار"

فراشة بجمال جناحيها.

"جنّات عا مد النظر... ما بينشبع منها نظر...". حين كتب الشاعر عبدالجليل وهبي هذه الكلمات ولحّنها وغنّاها الراحل الكبير وديع الصافي، خالها كل لبناني مغنّاة لبلدته أو لمنطقته. وبهذا المعنى وهذه الروح غدت اغنية لبنان تحكي لغة كل اللبنانيين في كل لبنان. والعكاريون اعتبروا أنها كتبت خصيصا لمنطقتهم التي ما زالت غاباتها الدهرية تنشد هذا اللحن الأبدي. فمع كل رحلة سير أنّى اتجهت، تشعر أنك في جنائن معلقة كخيط يربط السماء بالأرض محمول على بساط من ضباب وجمال وخيال. وسع الفضاء تغمرك رائحة نباتات الطيّون والصعتر وإكليل الجبل، وبخور أشجار الصنوبر والسنديان والعذر والشوح واللزاب، كلما ارتفعت صعوداً إلى أعلى جبل أو إن هبطت إلى اسفل أي واد وعند السفوح. هي هي حكاية الماء والتربة والهواء ونبض الغطاء الأخضر المفتوح على مصراعيه نحو المدى الأوسع للخيال، تحكي قصة هذا اللبنان. الجنّات "عا مدّ النظر" اختبرتها مجموعة "درب عكار" التابعة لصفحة عكار، التي نظمت رحلة مشي، ضمن مشروعها لتوثيق دروب المشي في عكار، في الطبيعة عبر باب وادي جهنم - وادي حقل الخربة، لمسافة 26 كلم وأكثر من 12 ساعة من المشي المتواصل، في وديان وغابات بلدة مشمش - عكار، بمشاركة 14 ناشطاً بيئياً ومحباً للطبيعة. هي رحلة شكلت تحدّياً للذات، واختباراً للإرادة، بسبب ما احتواه المسلك من صعوبات تطلبت جهداً ولياقة بدنية عالية للسير طيلة مسار هذا الدرب واجتيازه. 

الانطلاقة كانت من عين الدبة في أعالي جرد بلدة مشمش عكار على ارتفاع 1850 متراً عن سطح البحر، ثم تدرّجت نزولاً عبر مجرى نهر موسى حتى نبع الدلب الغزير. وقد اكتسب النبع اسمه من أشجار الدلب المعمرة والضخمة التي تتسلل المياه من تحت أقدامها. نقاوة وغزارة هذه المياه المنسابة ليست أقل عذوبة من عين المشلة (ارتفاع حوالي 1350م) التي توقف عندها المشاركون أيضا ليرووا ظمأهم قبل اكمال السير صعوداً إلى غابة أرز القلّة الدهرية، وصولاً إلى ارتفاع 1830 متراً عن سطح البحر، ثم معاودة النزول حتى بلدة القمامين عند مجرى النهر البارد. 

غنى هذا الدرب لا حصر له، فهو بحد ذاته مشهدية طبيعية غاية في الجمال والروعة، بحيث اعتبره احد المشاركين في الرحلة "أيقونة" في كافة محتواه ومعالمه. أكثر ما يميزه هو وعورة الوديان التي تصل إلى فارق ارتفاع يتخطى الـ1000 متر، فضلاً عن غزارة مياهه وينابيعه التي تتدفق في نهر دائم الجريان يعتبر من أهم روافد نهر البارد. 

أما الغطاء النباتي، فهو ثروة قائمة بحد ذاتها، من أصغر نبات وشجيرة، إلى الشوح والأرز الذي يبلغ ارتفاعات شاهقة وصلت إلى حوالي 36 متراً لإحدى الأرزات التي تم توثيقها سابقاً من قبل فريق صفحة عكار. ويعتبر هذا الأرز ثروة عكار المخفية والمنسية. وتضم غابة القلّة الواقعة في منتصف الدرب، آلاف الأشجار الدهرية، وبعضها نما معلّقاً على كتف الشير الصخري وكأنه الأرز الطائر.

بحسب يارا مرعبي، وهي من فريق "درب عكار" وطالبة في كلية العلوم في الجامعة اللبنانية "تتميز بلدة مشمش باحتوائها على أكبر عدد وأكثف شجر لزاب في عكار، ولكن المميز منه هو شجر اللزاب المعلق على الشير الضخم الذي يتخطى ارتفاعه في بعض الأماكن أكثر من 1100 متر، هذه الأشجار، رغم صغر حجمها، فهي معمرة وقد تكون الأقدم في لبنان. وبحسب دراسة فرنسية عن فصيل مشابه من اللزاب، أثبتت أن عمر بعض الاشجار قد يتخطى  

الـ 2500 سنة، بسبب نموها البطيء جداً، فهي تعتمد على أوراقها المتساقطة منها لتتغذي بها، فتبقى صامدة رغم صلابة الصخور!"

أما المحامي نجيب سنجر، وهو أيضاً ناشط بيئي فيقول: "سبق لي أن مشيت في الكثير من المسارات في عكار وكل لبنان، لكن وللحقيقة، هذا المسار هو الأروع بسبب التنوع الذي صادفناه في طريقنا. ولشدة استمتاعنا بالمسير لم نشعر بالتعب أو الضجر رغم أننا مشينا حوالي 26 كلم بـ 12 ساعة.  

أضاف: هذه المنطقة بالذات تحتاج إلى أن تُعلن محمية طبيعية لوقف الاعتداءات المتكررة على أشجار الأرز والشوح واللزاب المعمرة المنتشرة في المنطقة".

انتهت الرحلة، لكن ترداد الأغنية لن ينتهي. "جنّات عا مد النظر.. ما بينشبع منها نظر...". وإلى اللقاء في مسير آخر على درب جديدة وسط جنة جديدة.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard